أدركت وأيقنت وعلمت علما يقينيا بأن العاهرة أشرف من رجل الدين السياسي بألف مليون مرة
 

قضيت سنة و3 شهور سجيناً في زنزانة انفرادية بتهمة العمالة لإسرائيل وفيها أيضاً وُلدت من جديد لأصبح ما أنا عليه الآن.
في الزنزانة أذاقوني شتى أنواع التعذيب وكل أصناف التنكيل تسببت لي بأقسى درجات الأوجاع والآلام ضاقت بها روحي ذرعا وصرت معها أعشق الموت كما يعشق الجائع لقمة الطعام ويلتذ العطشان بكأس الماء وما زلت إلى لحظة كتابة هذه السطور أعشقه وألتذ به وألتمسه يوميا من رب الوجود، التعذيب الجسدي حفر بي كافة ألوان الأحزان والأشجان، وعزلي بزنزانة انفرادية لمدة سنة كاملة كنت أشفق فيها على نفسي من حاجتها الماسة إلى لقمة نظيفة كنت أحلم ببصلة أو تفاحة أو بيضة وببضع قطرات من الزيت كان أقصى طموحي أن أحصل على حمام ساخن أو ثياب بديلة عن ملابسي التي اهترأت على جسدي وأنا أرتديها شهرا متواصلا حيث انسلخ جلدي بفعل التعذيب الجسدي والرطوبة والعفن داخل الزنزانة كنت أخشى الجراثيم الخطيرة من فراش ملّوث بالدماء والعرق المُخَمَّر المُعَتَّق وأغطية رطبة قذرة مجبولة بالبول الناشف والمني اليابس والتقيؤ الجاف هناك كنت إنساناً معزولا كجربان تماماً، كنت فريسة في غابة بين الوحوش بل أوحش من الوحوش، كان السجانون رجال بشار الأسد يتلذذون ويلتذون بشتم العزة الإلهية بأقبح عبارات اللغة العربية - (ولست أدري إلى الان سبب عداوتهم  الشديدة مع الله وكرههم غير المحدود له!؟) - كنت مسكونا بهاجس واحد فقط وهو هاجس الحفاظ على طاقتي  العقلية والعصبية لكي أتمكن من مكابدة الصِعَاب وما ينتظرني من فنون التعذيب التي لا تخطر على بال ذئب وكنت أفكر أن أكتشف قدرات مضمرة في نفسي أودعها الله بها لحالات الطوارئ لكي أستطيع الدفاع عن حقي في الحياة، وخلال سنة في الزنزانة الإنفرادية من دون فراش ولا وسادة ولا إنارة ولا قلم ولا دفتر ولا كتاب ولا راديو ولا تلفزيون ولا جريدة ولا مجلة ولا شيء من ضرورارت الحياة البشرية  تعلّمت كيف أعوّض عن شوقي لها على  العيش والقراءة بما في دفتر الذاكرة بإعادة التأمل في كل شيء حفظته من عالم الشعر والنثر والحكم والآيات والروايات والفلسفات والأدعية وتَسَلَّلْتُ منها إلى نهج البلاغة وإلى سيرة الحسين وزين العابدين وزينب ورشيد الهجري وميثم التمار وعمرو بن الحمق الخزاعي وسعيد بن الجبير وحجر بن عدي ومسلم بن عقيل وأبي ذر الغفاري ورحت أبعثر بدفتر الذاكرة حتى عثرت على جملة  كتبتها على جدار الزنزانة بحبة بندورة (عفنة) [إن يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم ] فانتباني شعور مُفْعَم بالأمل بأن يوم التعويض آتٍ لا ريب فيه مطلقا، كان خيالي هو الحصان الجامح الذي صار يحملني إلى كل بقاع الأرض ، بل ويأخذني إلى عالم السماء لأفهم أكثر عن البشر وعباداتهم ومعتقداتهم وفلسفاتهم ، وفي الزنزانة أدركت بأن عالم الخيال نعمة مدهشة فالزنزانة جعلتني أحب الخيال وأعشقه وأؤمن بقيمته وبأنه ليس هو عبثا كما كنت أظن ،في الزنزانة أدركت وأيقنت وعلمت علما يقينيا بأن العاهرة أشرف من رجل الدين السياسي بألف مليون مرة  لأن العاهرة تتاجر بأقذر ما لديها وهو فرجها بينما رجل الدين السياسي يتاجر بما هو أقدس ما عنده وهو الدين، في الزنزانة  تحرّرت وتعلمت وأيقنت بأن الحرية السياسية والفكرية لا يمكن تقسيمها إلى جزئين إلى نوعين إلى حرية مسموحة، وحرية ممنوعة، إن الحرية هي كالعدل والعسل فكما لا يوجد عدل أو عسل مشروع ومسموح وآخر ممنوع  ، فكذلك الحرية السياسية والفكرية، إن الحرية السياسية والفكرية شيء ليس قابلا للتقسيم والتجزئة مطلقا، كنت مؤسساً لما يُسمى حزب الله وابن الحالة الإسلامية (الخمينية الظلامية المظلمة) منذ سنة 1980 حتى سنة 1998 دفعت من عمري زهرة سنينه وربيع عقوده  وبذلت من التضحية فوق ما يتصوره خيالكم تلك السنين التي كانت قادرة أن تجعل حياتي جنة صغيرة لولا انخداعي بديكتاتورية ولاية الفقيه وهمجيتها التي اجتهدت لتدفعنا إلى اليأس والعزلة لتحتكر السلطة والشهرة والزعامة والنفوذ والكبرياء والجبروت، في زنزانة انفرادية مظلمة بشهادة معتقلين رأيتهم في رواق السجن ونحن ننتقل منه إلى المحكمة قالوا لي نحن سنشهد لك بين يدي الله يوم الحساب والعقاب بأنك أمضيت هنا في سجون سوريا 10 سنوات !؟ قلت لهم ولِماَ الكذب بين يدي الله وأنا أمضيت سنة وثلاثة شهور فقط!! قالوا لي: إن الشهر الواحد الذي أمضيته هنا في هذه الزنزانة المظلمة الموحشة المرعبة يعادل عند الله سنة والسنة تعادل عشر سنوات إن الداخل لزنازين بشار الأسد وأبيه المقبور مفقود والخارج منها مولود، بالتأكيد انك محظوظ عند الله بسبب حسنة عظيمة آتيت بها في هذه الدنيا وجاء وقت المكافئة من الله تعالى فخرجت من الزنزانة وفوراً ولا إرادياً نصبت وجهي نحو السماء ورفعت يداي معه لأشكر الله شكراً نبع من دمي ولحمي وعظمي ومخي وعصبي ومن صميم صميم مشاعري واحساسي على نعمة الحرية الجسدية والخروج من قبر الزنزانة.