الأحزاب الحاكمة تفقد تأثيرها في الشارع بسبب الفساد، وحيدر العبادي يترقب موقفا مساندا من النجف
 

 لا تبدو المرجعية الشيعية في العراق متحمسة لدعم الأحزاب المحسوبة عليها، والتي سبق أن دعمتها في مراحل سابقة، لكن تغير الأمر بعد أن فقد الزعماء السياسيون العراقيون بريقهم، بسبب اهتزاز صورهم في أذهان السكان المحليين، إثر شيوع الفساد في المؤسسات الرسمية المختلفة والفشل في إدارة مختلف الملفات، ما ينذر بمقاطعة شعبية للانتخابات العامة المقررة في 12 مايو القادم.

ويتوقع خبراء في مجال الانتخابات، ألا تزيد نسبة المشاركة في اقتراع مايو عن 25 بالمئة من العراقيين الذين يحق لهم الإدلاء بأصواتهم.

ويتنافس أكثر من 7 آلاف مرشح على 329 مقعدا تمثل مجمل مقاعد مجلس النواب (البرلمان) موزعة على 18 دائرة انتخابية.

ولا يربط قانون الانتخابات في العراق بين نسبة المصوتين وشرعية الاقتراع، لكن مراقبين يقولون إن انخفاض نسبة المشاركة عن 40 بالمئة ستثير جدلا دوليا بشأن حقيقة تمثيل الطبقة السياسية المهيمنة في العراق لسكّانه الذين يبلغ عددهم وفق آخر التقديرات غير الرسمية نحو 36 مليون نسمة.

ولعبت مرجعية النجف الدينية، بقيادة آية الله علي السيستاني، منذ العام 2005، أدوارا بارزة، في حث السكان العراقيين الشيعة على التصويت. ويعود لها الفضل في تجاوز نسب التصويت معدل الـ70 بالمئة في أكثر من عملية انتخابية سابقة. لكن صمتها عن تأييد اقتراع مايو ربما يعرّضه لخطر المقاطعة. وتكشف مصادر مقربة من المرجعية الدينية في النجف لـ”العرب” أنّ “الأيام القليلة المقبلة، ربما تشهد صدور إشارات من المرجعية بشأن المشاركة في الانتخابات”، مرجّحة أن تترك المرجعية الخيار للناخبين بالمشاركة أو المقاطعة، لكنها ربما تحدد بعض المواصفات التي يجب أن تتوفر في المرشحين، من أجل التصويت لهم.

أكبر مخاوف العبادي من توحد الأطراف الشيعية ضد حصوله على ولاية ثانية بفعل خشيتها من تنامي طموحه السياسي

وتؤكد المصادر أن المرجعية لن تدعم قائمة محددة أو مرشحا معينا، لكنها ستواصل التذكير بمقولة إنّ “المجرب لا يجرب”، في إشارة غير مباشرة إلى زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، الذي حكم العراق لمدة 8 أعوام، شهدت احتلال أجزاء واسعة منه من قبل تنظيم داعش، فضلا عن خسارة الخزينة العامة لمئات المليارات من الدولارات، وشيوع الفساد المالي في أوساط المؤسسات العسكرية والمدنية.

وبخلاف عمليات انتخابية سابقة، صمتت المرجعية فيها عن استخدام اسمها من قبل بعض المرشحين والأحزاب، تنوي هذه المرة تفنيد أي ادعاء يصدر عن أي مرشح أو قائمة بـ”القرب من السيستاني”.

لكن المصادر نفسها تشير إلى أن رئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي يتزعم ائتلاف النصر المشارك في الانتخابات، ما زال، نظريا، هو الأقرب إلى المرجعية، بسبب امتثاله لمعظم توجيهاتها، وحرصه الدائم على التذكير بدورها “في حفظ وحدة العراق”، بعد فتوى “الجهاد الكفائي” التي أصدرتها ونتج عنها تطوع آلاف الشبان لقتال تنظيم داعش الذي اجتاح أجزاء واسعة من البلاد صيف العام 2014.

ولكن “القرب النظري” للعبادي من المرجعية، قد لا يكون كافيا لترجيح كفته على منافسيه الأربعة الآخرين في الوسط الشيعي، وهم كل من زعيم تحالف الفتح القريب من إيران هادي العامري وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، وزعيم التيار الصدري الذي يدعم تحالف سائرون مقتدى الصدر، وزعيم تيار الحكمة عمار الحكيم.

وما لم تكن نسبة المشاركة كبيرة في الانتخابات، فإن حظوظ العبادي ستكون في مهب الريح، لأنه يعتمد على كتلة تصويتية حديثة التشكل، على عكس منافسيه الشيعة، الذين بنى كل منهم كتلته التصويتية منذ أعوام.

مصالح انتخابية ضيقة
ويقول سياسي شيعي في بغداد، لـ”العرب”، إنّ “أكبر مخاوف العبادي تكمن في توحد الأطراف الشيعية ضده، بعد تزايد خشيتها من تنامي طموحه السياسي، في ظل نجاحاته الأخيرة”. ويضيف أنّ “العبادي يترقب موقفا مساندا من المرجعية، التي يعتقد أنه تعامل معها بإخلاص، ولم يتمرد عليها، طيلة سنوات حكمه الأربعة، بعدما كان لها الدور الأكبر في إيصاله إلى موقع رئيس الوزراء، بعدما أطاحت بسلفه نوري المالكي من هذا المنصب”.

ويشير السياسي الشيعي إلى أنّ “المرجعية ربما تتحدث بشكل عام، قبيل الانتخابات، عن أهمية مساندة الخط الشيعي الهادئ، الذي يمثله العبادي، من دون إشارة صريحة إلى ذلك، ما سيمثل دفعة كبيرة لحظوظ رئيس الوزراء في ولاية ثانية”.

ولم يستبعد مراقب عراقي في تصريح لـ”العرب” أن تميل المرجعية إلى استبعاد الطبقة السياسية الحاكمة كلها بسبب شبهات الفساد التي تحوم حول أبرز القيادات السياسية، مشيرا إلى ما تكشف عنه استقصاءات الرأي العام من تدن لشعبية المالكي يقصيه من أن يكون مثار دعم المرجعية خاصة أنه لم يعد يملك تلك الحظوظ التي تجعل منه منافسا قويا للآخرين.

واعتبر المراقب أنه ما لم يصدر توضيح تفصيلي من المرجعية في شأن ما ذهبت إليه بشكل مجمل وغامض بشأن “عدم تجريب المجرّب” فإن مسؤوليتها عن النتائج تكون عائمة وغير محددة، وهو ما سيحرج أطرافا كثيرة صارت تعوّل على أن تتخذ المرجعية موقفا صارما من الفساد الذي يهدد بنسف العملية السياسية من أساسها.