دخل غرفة نومه لينعم بالهدوء، قبل ان يسمع صوت صراخ والديه، سارع وشقيقه لمعرفة ما يدور، واذ بالنيران تلتهم غرفة الجلوس. هرب الجميع وبقي هو يواجه ألسنة اللهب، من دون أن يعي حجم الخصم الذي يبارزه، حاول القضاء عليه لكن غافله والتهمه... هو محمد زعتر ابن مدينة صور، الشاب الذي عاش شهماً ومات بطلاً.

"تهديدات" ما قبل الكارثة

عند نحو الثامنة والنصف من مساء الأربعاء، كُتب فصل جديد في قصة عائلة زعتر الدرامية. فبعد "تهديدات متكرّرة من الوالد محمود بإحراق عائلته وطردها مرات عدة، حصل"، كما قال شقيق الوالدة سمر دهيني، حسين "ما كنا نستبعده، نفذ الرجل السبعيني تهديده بعد خلاف مع شقيقتي، على الرغم من نكرانه الامر والقول إن نار النرجيلة كانت خلف الكارثة. أما الثمن فدفعه محمد (15 سنة) غاليا بعد ان خسر جسده قبل وجهه"، وفق قوله. وشرح: "سبق وهدد محمود مرارا زوجته بإحراقها، ضربها وطردها من المنزل، والجيران والقوى الامنية شهود على ذلك، كان يشك كثيرا بها، لا سيما انه يكبرها بعشرات السنين. التجأت إليّ اكثر من مرة طالبة الطلاق، كنت أهدّئها وأعيدها الى منزلها كون زوجها رجلاً كبيراً في السن يعاني مرض نشفان في شرايين الرأس"، وفق قوله، فيما اكد أحمد شقيق محمد، أنّ "الحريق سبب احتكاك كهربائي". وعن الخلافات بين والديه، قال: "هي خلافات عادية تحصل بين أي زوجين. نعم، يُطلق والدي التهديدات احياناً، لكنها تبقى مجرد كلمات في فورة غضب، وقد تم اطلاقه بعد التحقيق معه". وشرح: "حادث الامس لا علاقة له فيه، وعند اشتعال النيران هرب مع والدتي وشقيقي عبد الله الى الخارج وبقي محمد يحاول إطفاء الحريق".

حيث لا ينفع الندم

عندما زاد الامر عن حده، حاولت عائلة سمر استئجار منزلٍ لها ولأبنائها، لكن كما قال حسين: "وعدنا زوجها الذي يعمل في المفروشات بعدم تكرار أفعاله الشنيعة، لكنه خالف عهده. وفي الأمس أضرم النار بمادة التينر. كان محمد وشقيقه في غرفة النوم، وشقيقتي وزوجها في غرفة الجلوس، هرب الجميع من المنزل عدا محمد الذي حاول السيطرة على الحريق، لكن النيران استشرست على جسده الطري والتهمته". وعما ان كان ندم على اعادة شقيقته الى زوجها، أجاب: "وهل ينفع الندم بعد الذي حصل؟"، مشيراً إلى أن "سمر تعاني اليوم حروقاً في يديها، لكن الاصعب ان قلبها تفحّم على خسارة ابنها، فيما تعرض محمود الى حالة اختناق، وقد خرج من المستشفى حيث تلقى العلاج، وها هو في فصيلة صور يخضع للتحقيق". في حين أكد مصدر في قوى الأمن الداخلي لـ"النهار" أن "التحقيقات مستمرة للكشف إن كان الحريق مفتعلاً".

صرخات ما قبل الانهيار

عندما وصل شرطي البلدية في الامس الى منزل زعتر، شاهد كما قال لـ"النهار" سمر تصرخ: "انقذوا محمد ... محمد عم يحترق". وقال: "هي صرخات والدة تركت قلبها داخل الغرفة المشتعلة، شعرت بالنيران تغلي في احشائها... قبل ان تنهار أرضاً خوفاً من سماع خبر انتصار النيران على ابنها". وأضاف: "أدمى رحيل التلميذ المجتهد قلوب اساتذة وتلاميذ المدرسة الانجيلية حيث كان يتابع تعليمه في صف الثانوي، فأعلنت ادارتها الحداد واغلاق أبوابها اليوم".

ووري محمد في الثرى.. نفض غبار العذاب عنه والتحف التراب، رقد بسلام للمرة الأولى من دون مشكلات عائلية تعكر صفو ايامه، ومن دون تهديدات متكررة تتسلل الى مسامعه.