تشهد التجربة الإسلامية في الحكم والعمل السياسي والاجتماعي هذه الأيام؛ حالة من الإرباك والضياع في ظل وصول هذه التجربة في بعض البلدان إلى أفق مسدود، وفي ظل انتشار التيارات السلفية والعنفية على حساب بقية التيارات الإسلامية. ورغم الضربات القاسية التي تلقاها تنظيم داعش في سوريا والعراق ولبنان، فإن هذا التنظيم وأخواته لا يزال ناشطا في العديد من الساحات الإسلامية، إضافة لاستمرار التأزم المذهبي والصراعات والحروب في المنطقة. وكل ذلك دفع ببعض الباحثين والناشطين على الصعيد الإسلامي لإعادة البحث والتركيز على التصوف والطرق الصوفية والعرفان، عسى أن يكونوا مدخلا أو طريقا جديدا للخلاص من الأزمة الإسلامية القائمة أو أسلوبا متجددا لإعادة التعريف بالإسلام؛ ردا على الصورة المشوهة التي نشرت عنه بسبب التنظيمات المتشددة والعنفية.

وفي هذا الإطار، أقيم في بيروت في الأسبوع الماضي، وبدعوة من مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، ملتقى حواري تحت عنوان: "ملتقى العرفان ودوره في إعادة تشكيل منظومة القيم"، وشارك فيه عدد من الباحثين من إيران ومصر والبحرين وسوريا ولبنان. وكان يفترض مشاركة وفد كبير من جامعة الأزهر، لكن بعض الظروف الخاصة حالت دون حضوره، مما أدى لتلاوة الأبحاث المرسلة نيابة عن الذين أعدوها. ورغم أن الملتقى كان محدودا، ولم يشمل بحث كل أشكال التصوف والطرق الصوفية، وخصوصا في المغرب العربي وتركيا والسودان، فإنه شكل فرصة لحوار وعصف فكري حول العرفان والتصوف ودورهما في هذه المرحلة والأفق المستقبلي لهم.

وقد تناول الملتقى العناوين التالية: "العرفان والتصوف والشريعة بين الوحدة والانفصال"، و"النزعة القدسية في عالم غير مقدس: العرفان والتصوف والعلمانية والإلحاد"، و"العرفان والتصوف والقيم السياسية في المجتمع المسلم المعاصر"، و"العرفان والتصوف وحقيقة التدين في العصر الحديث".

ومع أن الملتقى كان تحت عنوان العرفان ودوره، فإن معظم البحوث والدراسات التي قدمت اعتبرت أن العرفان والتصوف والطرق الصوفية ينتمون إلى مجال فكري وعملي مشترك. وقد تطرقت الأبحاث إلى الجوانب النظرية والفكرية والعملية للعرفان والتصوف. ففي حين حرص بعض الباحثين على معالجة الموضوع من زاوية نظرية صرفة، من خلال تقديم التعريفات المتعددة وشرح معاني العرفان والتصوف، فإن باحثين آخرين تحدثوا عن الإشكالات العملية والاجتماعية والسياسية التي تواجه ظاهرة العرفان والتصوف، سواء في المراحل السابقة أو في العصور الحديثة. كما تطرق المشاركون إلى علاقة التصوف بالسلطة، وكيفية استغلال بعض السلطات للطرق الصوفية لخدمة مآربها، رغم أن التصوف والعرفان ينتميان إلى عالم الزهد والأخلاق السامية، وإن كان الموضوع المهم الذي جرى التطرق إليه في بعض الأبحاث هو الدور الجهادي والسياسي للطرق الصوفية في مواجهة المستعمرين والمحتلين، وخصوصا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، إضافة لاستمرار الانتشار الواسع للطرق الصوفية في العالمين العربي والإسلامي، رغم بروز التيارات السلفية المتشددة والعنفية.

واعتبر عدد من المشاركين أن العرفان والتصوف ينتشران اليوم على الصعيد العالمي، ويساهمان في تقديم صورة إيجابية عن الإسلام في مواجهة الصورة الدموية والعنفية. لكن ذلك لا يلغي إمكانية استغلال بعض الجهات السياسية والدولية والمخابراتية والأمنية للطرق الصوفية لخدمة أهدافها، عبر السعي لاختراق هذه الطرق، وتجييرها في معاركها السياسية والاجتماعية.

وقد ركز بعض الباحثين على أهمية العرفان والتصوف اليوم على الصعيد العالمي، من أجل البحث عن أفق جديد للحوار الإنساني، وكذلك لمواجهة الأزمة المذهبية والصراعات القائمة اليوم في العالم، وهذا يحمّل العرفان والتصوف مسؤوليات كبيرة؛ قد لا تكون بمستوى قدرة الطرق والاتجاهات الصوفية اليوم.

وبالإجمال، يمكن القول إن هذا الملتقى، وهو أشبه بحلقة بحثية مركزة، قد فتح المجال من جديد لمناقشة دور العرفان والتصوف والطرق الصوفية في عالم اليوم، وإن كان هذا الملتقى لم يشمل كل الاتجاهات والطرق الصوفية والتجارب العرفانية، وغاب عنه الكثيرون الذين كان يمكن أن يضيفوا إليه المزيد من الأفكار والتجارب. لكن يمكن القول إنه في ظل الانسداد الذي تواجهه بعض الحركات الإسلامية، وخصوصا على صعيد العمل السياسي، وفي ظل انتشار العنف الديني والتكفير والتطرف، قد تكون العودة للعرفان والتصوف محاولة متجددة في البحث عن حلول للأزمة القائمة اليوم.