توحي كلّ التطوّرات بأنّ عدد المرشحين للانتخابات المقبلة سيقترب من الألف منتصف هذه الليلة، في وقتٍ لم تتّضح بعد التحالفات وشكلُ اللوائح التي سيفتح باب التفاوض في شأنها من الغد وحتى 26 الجاري، وكلّ ذلك يجري في وقتٍ تبدو المفاوضات شبيهة بـ«فوازير رمضانية» تعتدّ فيها القوى الأساسية بخوض الانتخابات منفردةً باستثناء الثنائي الشيعي
 

مَن تسنَّى له المرور بـ»دائرة المحاسبة والصناديق» في مبنى وزارة المال حيث تقع مكاتبها في الطبقة السفلية من مبنى الـ «TVA» في محلّة العدلية قبل ظهر أمس يتذكر مشهد الطوابير أمام الأفران ايام الحروب التي عاشتها بيروت. فما إن تلمح إعلامياً أو مرشّحاً جاء ليقدّم طلب ترشيحه متأبّطاً مستنداته حتى تلتقي بمدير ماكينة انتخابية جاء ليتقدّم بترشيحات كتلة نيابية كاملة يراوح عدد اعضائها ما بين خمسة الى تسعة مرشحين متأبّطاً كيساً أسود فيه ما بين 40 إلى 81 مليون ليرة.

وأنتَ تراقب حركة المرشّحين، وترصد تمنّيات طلبات البعض منهم بإمكان ان يتقدّم احد من موظفي الدائرة ليساعده في ملءِ استمارة الرسم المالي قبل الانتقال من مكتب الى آخر لجمعِ التواقيع الأربعة اللازمة، لإتمام العملية ودفعِ الرسوم المحددة قبل ان يتوجّه الى وزارة الداخلية لتقديم طلب الترشيح، تمرّ امامك سلسلة من الصور التي عليك ان تستذكرَها قياساً على التجارب السابقة والتي لا تشبهها في شيء. وآخرُها التجربة التي عاشتها الانتخابات النيابية في العام 2009 قبل مسلسل التمديد بمحطاته الثلاثة.

فالمرشّحون إلى هذه الانتخابات الذين اصطفّوا أمام صناديق وزارة المال يأملون في ان يكونوا على لوائح وليس مهمّاً بالنسبة اليهم ان تكون مكتملة أو ناقصة، فهم على عِلم انّه إذا لم ينضمّ احدهم الى ايّ مِن اللوائح المسموح بتشكيلها في الحد الأدنى والمحدّد بـ 40 % من كلّ اعضاء نواب الدائرة، سيخسر السباق الى ساحة النجمة ومعه الملايين الثمانية، وهو يأمل في الوصول الى ساحة النجمة لترشّحِه عن مقعد الأقلّيات في إحدى الدوائر الانتخابية.

وفيما أكّد أحد المسؤولين أنّ صناديق وزارة المال ستبقى مفتوحة الى منتصف هذه الليلة، وكذلك دوائر وزارة الداخلية لإتمام معاملات الترشيح، يتوقّع المراقبون الذين يرصدون حركة الاتّصالات في الساعات الأخيرة الفاصلة عن إقفال مهلة الترشيحات ان يرتفع عدد المرشحين الى ما يقارب الألف على الأقلّ، وهذا يعني انّ وزارة المال ستجمع 8 مليارات ليرة من اصل 75 ملياراً رصَدها مجلس الوزراء نهاية الشهر الماضي. علماً انّ امس اقفلَ على ما يربو على 700 مرشّح بينهم ما يزيد عن 223 مرشّحاً قدّموا ترشيحاتهم أمس.

ومرَدُّ هذه التقديرات، يعود الى الأجواء المتردّدة التي تحوط بالاتصالات الجارية لتركيب اللوائح الإنتخابية، فالأوضاع السياسية وطبيعة القانون الانتخابي الجديد وخلطه بين النظامين النسبي والأكثري الذي تجلّى بـ«الصوت التفضيلي» لم يتِح الى الآن عن اعلان ايّ من التحالفات الانتخابية، سوى تلك التي تحكّمت بحركة الثنائي الشيعي فحسب وأنجزت في دوائرِه شِبه المقفلة في خلال ربع ساعة حسب قول الرئيس نبيه بري قبل أيام.

وفي المقلب الآخر تستمرّ الاتصالات على قدم وساق، خصوصاً بين المراكز الحزبية القيادية الرئيسية التي ستتولّى رئاسة هذه اللوائح، ومنها تلك التي شهدَها «بيت الوسط» والبيت المركزي لحزب الكتائب اللبنانية ومعراب وكليمنصو وسن الفيل، فيما تبدو عين التينة والضاحية الجنوبية في موقع الراصد لحركة الاتّصالات والمشاورات تحسّباً لمجموعة من المفاجآت نتيجة الحراك الأخير بين بيروت والرياض.

فهما يتوجّسان بعضَ الشيء من مثل هذه الخطوات المتقلّبة على الرغم من معرفتهما باستحالة وصولها الى إنقلابات، فيما لم تُعبّر أيّ مواقع أخرى عن مِثل هذا القلق لأسباب سياسية وانتخابية محضة.

وعلى هذه الخلفيات، قلّلَ المراقبون من أهمّية انعكاسات زيارة الرئيس سعد الحريري للرياض على حركة التحالفات، فهي في معظمها قد باتت ثابتة، فالمرشّحون الأقوياء من قادة الأحزاب والتيارات تعذّرَ عليهم التفاهم على الانخراط في اللوائح الانتخابية حتى الحلفاء منهم باتوا على مفترق طرق. فإن تحالفوا في دائرةٍ ما وجَدوا انفسَهم «عن طيبة خاطر» على افتراق في أخرى، وهو ما لم تتبدّل النظرة اليه قبل زيارة الحريري الى الرياض وما بعدها.

ولذلك، لا يرغب المراقبون الدخولَ في كثير من التفاصيل حول ما هو متوقّع من تحالفات واختلافات، فالافتراق المرتقب بين «حزب الله» و»التيار الوطني الحر» في دائرتي كسروان ـ جبيل وصيدا ـ جزين مثلاً، يبرّر عدمَ التلاقي بين تيار «المستقبل» و«القوات اللبنانية» وما بين «التيارالوطني الحر» و«المستقبل» في عددٍ مِن الدوائر بسبب الخلافات الناشبة حول بعض المواقع والمقاعد النيابية التي يتمسّك بها «المستقبل» والتي قبلَ «التيار الوطني الحر» بإبعاد المرشحين عنها كما هو حاصل في طرابلس وعكّار وجزين مثلاً وكذلك في مناطق أخرى.

وزاد في الطين بلّة تفاهمُ «التيار» والوزير طلال أرسلان في بعبدا في مواجهة النائب وليد جنبلاط الذي لم يتوصّل الى ايّ تفاهم مع «المستقبل» ولا مع «القوات اللبنانية» في دائرة عاليه ـ الشوف ومناطق أخرى.

وإلى الحديث عن استحالة التحالف بين حزبَي «الكتائب اللبنانية» و«القوات اللبنانية» وغيرهما من القوى السياسية الممثلة في الحكومة، باستثناء دائرة عاليه ـ الشوف التي تشهد نموذجاً فريداً للحفاظ على المصالحة المسيحية ـ الدرزية، فإنّ سلوك الكتائب طريقَ المعارضة أتاح لها ان تبقى على تجانسٍ كبير في مواقفها الانتخابية، وهو ما لا يمكن ان تتمكّن منه ايّ من القوى السياسية الأخرى بمعزل عن النتائج التي يمكن ان تؤدي اليها هذه السياسة المبدئية.

وبناءً على ما تقدَّم، يتندّر السياسيون إذا ما توغّلوا في الحديث عن مصير العلاقة المتوقّعة بين الحلفاء ومع «حلفاء الحلفاء» فيرون فيها شكلاً من أشكال «الفوازير الرمضانية». علماً انّ البلد ستدخل شهر رمضان المبارك بعد انتخابات 6 أيار. وإن تمكّنَ احدهم من كتابة بعض من هذه الفوازير فستُغنّيها الانتخابات النيابية وستقدّم لها نماذج من «تلفزيون الواقع» قبل ان ينساه اصحاب الذاكرة المثقوبة.