المتابع لليوميات الانتخابية في بيروت، والعديد من المناطق الأخرى، يلاحظ حالة مستجدّة من الحماس للانتخابات، في أوساط الأجيال الشابة، وبشكل غير مسبوق في الماضي.
يبدو أن اعتماد قانون النسبية الجديد، رغم بعض علاته، قد شجّع الجيل الشاب على الانخراط في العملية الانتخابية، ترشيحاً وتصويتاً، على خلفية تحرّر الناخب من عبء البوسطات الانتخابية التي كانت تتحكم بقواعد القانون الأكثري السابق.
الواقع أن انخراط الشباب والشابات في الإستحقاق الديموقراطي المقبل، سيُضفي على المعارك الانتخابية أجواءً من الحماسة والديناميكية، كانت غائبة عن الجولات السابقة، بسبب عدم تشجّع الشباب على التصويت في انتخابات كانت الزعامات السياسية تحدد نتائجها سلفاً!
ويبدو أن وصول الوضع السياسي، إلى هذا المستوى من الاضطراب والهريان، قد دفع كثيرين من أجيال الغد إلى التحرّك، لكسر القيود الطائفية والمذهبية، التي سرعان ما تتحوّل إلى أدوات لشدّ العصب، وتحريك الغرائز وكوامن الفتن، والخروج من حالة المراوحة في التمثيل النيابي، والعمل السياسي، إلى آفاق جديدة خالية من روائح الفساد في النفايات والكهرباء، وقادرة على تلبية حاجات اللبنانيين في تأمين ضروراتهم المعيشية، ومعالجة أزماتهم المتراكمة.
وفي حال نجاح الشباب في توظيف هذه الفرصة المتاحة لاقتحام الحلبة السياسية، من شأنه أن يُغيّر قواعد اللعبة السياسية الراهنة، ويساعد في عودة التعددية في تمثيل الطوائف والتيارات السياسية، بما يعزز تفعيل الممارسة الديموقراطية، واستعادة الأصول البرلمانية في الرقابة والمحاسبة على أعمال الوزراء، والتخلص من واقع توزيع المغانم على قاعدة «شيلني وأشيلك»، التي عطلت دور النواب الرقابي على السلطة التنفيذية.
ولعل عدم نجاح التحرّكات العديدة التي قام بها المجتمع المدني في الشارع للحد من سوء إدارة السلطة، وإيقاف ممارسات الهدر والفساد، شكلت حافزاً للشباب للوصول إلى الندوة البرلمانية، والعمل على إطلاق عملية التغيير من داخل الهيكل التشريعي، والسعي إلى تطوير النظام السياسي بما يحقق آمال الجيل الجديد في إقامة دولة عصرية، تحرص على مبادئ الحريات العامة وأسس العدالة الاجتماعية، وتعتمد الخبرة والكفاءة في الإدارات العامة، خاصة في المستويات التي لا تخضع لقواعد التوزيع الطائفي.
وسيحتل الصوت الشبابي مكان الصدارة في الإنتخابات المقبلة، على اعتبار أن تأجيل الانتخابات المتكرّر منذ عام ٢٠١٣، قد حَرَمَ جيلين من الشباب من ممارسة حقهم الديموقراطي في المشاركة بالانتخابات، وهو الأمر الذي سيكون متاحاً، ولأول مرّة لعشرات الألوف من الأجيال الشابة، حيث من المتوقع أن يُسجّل الإقبال الشبابي على الترشيح والاقتراع نسبة مرتفعة، تفوق بكثير المعدلات التي كانت تحصل في الانتخابات السابقة.
وأهمية هذه الظاهرة الشبابية تكمن بمستوى أصحابها العلمي والثقافي والاجتماعي، فضلاً عن أنها تخرج من صفوف عائلات وبيئة اجتماعية كانت شبه مقاطعة للاستحقاقات السابقة.
ولا نغالي إذا قلنا أن صوت الشباب سيكون هو الرافعة الحقيقة للتغيير في الانتخابات المقبلة، بعيداً عن كل محاولات الاستغلال والتضليل التي جعلت من التغيير مجرد شعار!