كسبتْ بيروت، المسكونةُ بارتيابٍ متمادٍ من «لعنة المنطقة»، معركةَ الفرحِ التي تليق بشغفها الدائم بـ «حبّ الحياة»... ومع «طوفان» الأضواء الذي ودّعتْ به الـ 2017 «من قلْبها»، كان «عقْلُها» يقيم «ربْطَ نزاعٍ» مع الـ 2018 المفتوحة على استحقاقاتٍ أهمّها على الإطلاق الانتخابات النيابية التي في ضوء «صناديقها» تَرْتسم التوازنات في السلطة ويَتحدّد تالياً الموقع الإقليمي للبنان.
وبـ «عنايةِ» رئيس الحكومة سعد الحريري الذي واجه في الـ 2017 التجربة الأكثر مرارة في حياته السياسية (بحسب وصْفه)، كانت بيروت «أكثر حلاوة» في إحيائها عيد رأس السنة، وهو جال شخصياً على المقار العسكرية لضمان «بيئةٍ آمنة» لاحتفال وسط العاصمة وشارك الساهرين الفرحة، وكأنه أراد إثبات قدرة اللبنانيين على الصمود في لحظة تَعاظُم التحديات السياسية والاقتصادية.
ولم تَحْرف «انتفاضة الأنوار» في مَراسم الانتقال من سنةٍ إلى سنة الأنظار عن أن الـ 2018 «مع وصولها اختبارٌ على طولها». فالأسبوع الأول منها يشكّل ميداناً شديد الحساسية لبلْورة الرسْم التشبيهي للواقع السياسي المستجدّ مع العدّ التنازلي لـ «أبو الاستحقاقات»، أي الانتخابات النيابية المقرَّرة بعد أربعة أشهر (في 6 أيار المقبل).
فبعدما انفجر الصراع وعلى نحوٍ علني بين رئيسيْ الجمهورية العماد ميشال عون والبرلمان نبيه بري في شأن ما بات يُعرف بـ «أزمة المرسوم»، من المتوقّع أن تشهد الأيام المقبلة مبادراتٍ لإيجاد «مَخْرجٍ» يطوي فصول هذه الأزمة التي تتجاوز ملابسات «المرسوم» بعيْنه وتعكس تبايناتٍ عميقة بين عون وبري حيال إدارة الحُكم كانت في الأساس واحدةً من دوافع معارضة رئيس البرلمان القاسية لوصول العماد عون الى الرئاسة.
وثمة مَن يعتقد في بيروت أن «المشكلة والحلّ» في مسألة المرسوم، الذي منَح سنة أقدمية لضباط دورة 1994 في الجيش اللبناني ووقّعه رئيسا الجمهورية والحكومة ووزير الدفاع بمعزل عن توقيع وزير المال، ستكون أشبه بعمليةِ استطلاعٍ مبكّرة لما سيرسو عليه الصراع السياسي في البلاد وما سيفرزه في مسألة التحالفات على الطريق إلى الانتخابات النيابية، وسط مَلامح استقطابٍ من نوع جديد يشكّله تحالف عون - الحريري مقابل اصطفافٍ لم تتبلور مَعالمه بعد، وقد يكون بري نقطة الارتكاز فيه.
وإذا كان من السابق لأوانه التوغل في خريطة التحالفات المقبلة لارتباطها بحساباتٍ داخلية واعتباراتٍ اقليمية، فإن البلاد على موعدٍ في الفصل الأول من 2018 مع محطات بالغة الأهمية كالمؤتمرات الثلاثة التي ستُعقد من أجل لبنان، لدعم الجيش في روما وتحفيز الاقتصاد في باريس وللمساندة في ملف النازحين السوريين في بروكسيل، وهي المؤتمرات التي تشكّل رسالة دعمٍ دولية قوية للبنان واستقراره.
ومع انخراط لبنان في ورشة التحضيرات للمؤتمرات الثلاثة، ستكون بيروت معنيةً برصْد اتجاهات الريح الإقليمية على ثلاثة مستويات هي:
* المدى الذي سيَبلغه تطبيع علاقة لبنان مع دول الخليج لا سيما المملكة العربية السعودية التي يقدّم سفيرها الجديد في بيروت وليد اليعقوب اليوم أوراق اعتماده، وسط تَرقُّب لوتيرة تلك العلاقة بين الحريري والرياض بعد استقالة رئيس الحكومة المفاجئة من المملكة في 4 نوفمبر الماضي والتراجع عنها بعد عودته إلى بيروت.
وفي هذا السياق، فإن زيارة الرئيس عون للكويت الشهر الجاري ستشكّل محطةً بالغة الأهمية في سياق ترتيبِ العلاقات اللبنانية - الخليجية، وهي الزيارة التي كانت مُقرَّرة في 5 و 6 نوفمبر الماضي وتم إرجاؤها بسبب الاستقالة المفاجئة للحريري من الرياض.
* المنحى الذي ستَبلغه الاضطرابات المترامية في إيران ومُدُنها انطلاقاً من مكانة طهران الإقليمية والدور الأساسي الذي تلعبه في لبنان من خلال دعمها المفتوح لـ «حزب الله»، وهو ما كان فاخر به الرئيس الإيراني حسن روحاني حين تحدّث في وقتٍ سابق عن أن ما من قرار يُتخذ في لبنان ودول أخرى إلا بموافقة إيران.
فانشغال إيران باضطراباتها الداخلية، عبر قمْعها الحركة الاعتراضية أو السقوط في الفوضى، من شأنه الإرتداد على أدوارها الخارجية إما بتشديدِ قبْضتها وإما الانصراف إلى مَتاعِبها الداخلية، وهو الأمر الذي سيَترك صداه في بيروت.
* مآل مرحلة ما بعد «داعش» في سورية واتجاهات الحلّ الذي سترسو عليه عملية ترتيب الأوضاع في ظل إدارة «المايسترو» الروسي للتوازنات الإقليمية والداخلية وأحجام اللاعبين والضمانات لدول الجوار. فلبنان لن يكون بمنأى عن السياقات النهائية لما يرتسم في سوتشي وجنيف.