عادت الحريري عن الاستقالة وذهبت القدس من ايدي العرب

 

الديار :

اجتمع مجلس الوزراء اللبناني في بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وعاد الرئيس سعد الحريري عن استقالته واصر على قراءة البيان الصادر عن مجلس الوزراء بدلا من ان يعلنه وزير الاعلام، وذلك لكي يؤكد رئيس الحكومة ان قرار النأي بالنفس قد تم اتخاذه وانه هو الذي أصر على هذا المبدأ ووافق معه مجلس الوزراء بالاجماع وبموافقة رئيس الجمهورية.
قرار النأي بالنفس هو اخطر قرار يتخذه لبنان منذ الصراع العربي الإسرائيلي، لانه دقيق للغاية وهنالك صعوبة كبيرة بتنفيذه، خاصة وان مجلس الوزراء اللبناني لم يضع آلية او خطة فعلية لتنفيذ النأي بالنفس، باستثناء موافقة كافة الأطراف المشتركة في الحكومة وهي تمثل معظم او أكثرية الأحزاب والفعاليات في لبنان، باستثناء حزب الكتائب. 
واذا كان اصدار مجلس الوزراء قرار النأي بالنفس عن الصراعات العربية وعدم التدخل في شؤون الدول العربية واذا كان مجلس الوزراء قد اعلن احترام الدستور والتأكيد عليه وعلى ان لبنان، وفق المادة الثانية من الدستور هو لبنان العربي هوية وانتماء، وهنا قبل ان نكمل حديثنا عن المادة الثانية من الدستور لا يمكن الا ان نلفت النظر ان لبنان هو عربي الهوية والانتماء، في حين ان لبنان هو عربي الانتماء، اما الهوية فتاريخيا ليست صحيحة، الا منذ 1400 سنة وبقيت مستمرة 500 سنة حتى اصبح لبنان عربي الانتماء وبقيت هويته خاضعة لحضارة 6 آلاف سنة.
 

 

 

 بيان مجلس الوزراء والنأي بالنفس


انما نعود الى بيان مجلس الوزراء اللبناني الذي قرر النأي بالنفس وعدم الدخول في الصراعات العربية وعدم التدخل في شؤون الدول العربية كي تبقى علاقات لبنان مع الدول العربية علاقات جيدة وتعاون.
اذا كان الافرقاء اللبنانيون قد وافقوا على مبدأ النأي بالنفس فان مجلس الوزراء حصر الموضوع بالاطراف اللبنانية دون ان ينظر الى الجغرافيا السياسية في المنطقة والاقليم، لان قضية النأي بالنفس ليست داخلية فقط، بل ان لبنان يتأثر بـ 3 دول قوية وذات نفوذ، أولها العدو الإسرائيلي، فمن يضمن في ظل سقوط الأمم المتحدة ومجلس الامن وعدم فعاليتها، وفي ظل سقوط الجامعة العربية، وسقوط امس مجلس التعاون الخليجي، ان لا تقوم إسرائيل بزرع خلايا في لبنان او اجتياح ارضه او التدخل في شؤونه الداخلية من خلال مخابراتها وجهاز الموساد او انشاء علاقة سرية مع طرف لبناني او حزبي في تنفيذ فتنة او مؤامرة داخل لبنان او اختراق الساحة اللبنانية من خلال دولة أوروبية او الولايات المتحدة او من خلال دولة خليجية، فكيف يمكن تطبيق النأي بالنفس من العدو الإسرائيلي، كذلك كيف يمكن تطبيق النأي بالنفس من قبل السعودية، وهي دولة إسلامية سنيّة وهابية يربطها مباشرة بالطائفة السنيّة علاقة تاريخية منذ تأسيس المملكة وحتى اليوم، أي منذ 90 سنة وطوال تاريخ لبنان كانت السعودية تتدخل عبر الطائفة السنية في لبنان وتؤثر فيها. ولمرة واحدة انكفأ النفوذ السعودي عن الطائفة السنيّة عندما قاد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الثورة العربية في مصر، فحصل على نفوذ سنّي كبير في لبنان، لكن عادت السعودية بعد سنة 1970 اثر موت الرئيس عبد الناصر في استعادة كامل نفوذها السنّي في لبنان والمسؤولون السنيون ودار الفتوى وعلماء السنّة هم في زيارات دائمة الى السعودية، كما ان السعودية تؤثر عبر علماء السنّة ودار الفتوى في لعب دور واختيار رئيس الحكومة السنّي في لبنان. فمن الذي سيجعل المملكة العربية السعودية لا تتدخل في لبنان، وما هي الضمانة؟ ومن يكفلها بأن تنفذ النأي بالنفس عن لبنان؟
واذا كان الرئيس سعد الحريري قد اعلن النأي بالنفس، فهل يكون قراره دائما في بيروت ام عليه التنسيق مع المملكة العربية السعودية وهو الذي نشأ فيها ولديه مصالح وشركات ورثها من الرئيس الراحل رفيق الحريري والده. كما انه حتى الامس كانت السعودية، وسنرى خلال شهرين وحد اقصى 3 اشهر، ان الرئيس سعد الحريري سيزور المملكة العربية السعودية. 
 

 بهاء الدين الحريري اقرب المقربين لمحمد بن سلمان


ومن السعودية، اصبح بهاء الدين الحريري اقرب المقربين الى الديوان الملكي السعودي وولي العهد محمد بن سلمان، في حين ان السيد بهاء الحريري ارسل موفدين الى القيادات اللبنانية يبلغهم فيه انه قرر العمل في السياسة اللبنانية، وانه يستعد ان يكون رئيس حكومة لبنان، ولم يحصل على تأييد القيادات اللبنانية، باستثناء قيادة تشكل فاعلية سياسية في لبنان. 
 

 اما بالنسبة لإيران


واذا كنا طرحنا العدو الإسرائيلي وعدوانه او تدخله في الشؤون اللبنانية واختراقه عبر اجهزته الأمنية او اطراف لبنانية من خلال دول أوروبية او دول خارجية لاقامة حلف سري معها، وعدم قدرة مجلس الامن او الأمم المتحدة او الجامعة العربية او اتحاد التعاون الخليجي عن منع ذلك، وفي ظل الترابط المباشر بين المملكة العربية السعودية والطائفة السنيّة في لبنان، وسؤالنا من يضمن عدم النأي بالنفس من قبل العدو الإسرائيلي او الدولة العربية، أي المملكة العربية السعودية.
لننتقل الى ايران، حيث ان العلاقة بين حزب الله وسوريا وايران بدأت سنة 1983 ومستمرة حتى عام 2017، فمن الذي سيطلب من ايران ان لا ترسل دعما ماليا وعسكريا الى حزب الله الذي يواليها، واذا كانت الطائفة السنيّة في لبنان توالي الحاكم باسم الله أي الملك السعودي وفق مفهوم ديني فان حزب الله يوالي ايران عبر ولاية الفقيه، ودعمه المالي من ايران وسلاحه من ايران وجزء من سلاحه من سوريا، فمن الذي سيقول الى ايران ان تنأى بنفسها عن حزب الله. وكيف يستطيع حزب الله الاستمرار في دعم مجاهديه ضد إسرائيل او ضد التكفيريين من دون دعم عسكري ومالي من ايران. كذلك كيف يستطيع حزب الله الحصول على صواريخ «كورنت اس» المضادة للدبابات والدروع لضربها في حال دخول دبابات إسرائيلية الى لبنان، ما لم تزوّده سوريا بهذه الصواريخ التي تشتريها من روسيا، فكيف سيكون النأي السوري بالنفس عن دعم حزب الله. 
 

 من يضمن الحدود السورية ـ اللبنانية؟


ثم ان السؤال هو من الذي يضمن الحدود اللبنانية ـ السورية برياً، وهل تم رسم الحدود بين لبنان وسوريا كي ينتشر الجيش اللبناني على الحدود اللبنانية ـ السورية ام ان رسم الحدود اللبنانية ـ السورية كان موضع خلاف وان سوريا واطرافاً لبنانية طلبت البدء برسم الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة لان المشكلة الكبرى هي في رسم الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا المحتلة، وبالنتيجة لم يتم رسم الحدود بين لبنان وسوريا.
واذا كان حزب الله يرسل قواته الى سوريا فما هي قوة الجيش الذي سينتشر على الحدود اللبنانية ـ السورية. ثم ان اعلان الرئيس سعد الحريري بالصوت العالي ان مجلس الوزراء قرر النأي بالنفس عن الصراعات العربية، ونحن نعرف ان اكثر من 10 آلاف مقاتل من حزب الله يقاتلون التكفيريين والمؤامرة على سوريا، فهل تم وضع توقيت لتنفيذ النأي بالنفس ومتى. وهل سينسحب حزب الله من سوريا فور اعلان مبدأ النأي بالنفس من مجلس الوزراء، ام يستمر في قتاله الى جانب الجيش العربي السوري ضد التكفيريين والإرهابيين. 
 

 اللاجئون الفلسطينيون


كما ان هنالك نصف مليون لاجئ فلسطيني في لبنان، والازمة الفلسطينية تزداد حدّة من خلال الصراع بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي، وان إسرائيل ترفض كليا مبدأ العودة، فكيف ينأى لبنان بنفسه عن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي في ظل وجود نصف مليون فلسطيني على ارضه، كذلك في ظل غياب الأمم المتحدة وعدم فعاليتها وعدم قدرتها على حل الحرب الليبية والحرب اليمنية والحرب العراقية ومشكلة كردستان مع الحكومة الاتحادية العراقية، وعجز الأمم المتحدة عن حل ازمة الحرب في سوريا، وبالتالي فالامم المتحدة عاجزة عن إعادة مليون ونصف مليون لاجئ سوري من لبنان الى سوريا، فكيف يتم النأي بالنفس من قبل سوريا عن موضوع اللاجئين في لبنان. واذا كان اللاجئون السوريون قد نزحوا الى لبنان اثر الحرب في سوريا، فكيف ينأى لبنان بنفسه عن معالجة قضية وجود مليون ونصف مليون نازح سوري على أراضيه، في الوقت الذي يرفض رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري أي اتصال مع سوريا وهو يقاطعها لا بل لا يعترف بالنظام السوري، ولا يعترف بقيادة الرئيس بشار الأسد، فكيف يتم النأي بالنفس من قبل سوريا عن لبنان وكيف يتم النأي بالنفس من لبنان تجاه سوريا، ومن يحدد من هم اللاجئون في لبنان الذين يودّون العودة الى سوريا ومن هم اللاجئون الى لبنان وهم ضد النظام في سوريا ولا يريدون العودة الى سوريا، لانهم يعتبرون ان المخابرات السورية ستعتقلهم وان مصيرهم خطير. 
 

 ترامب وإمكانية إعلانه القدس المحتلة  عاصمة لإسرائيل


اما بالنسبة للنأي بالنفس عن الصراعات العربية وعدم التدخل في شؤون الدول العربية، فهو عنوان جيد وشكليا مقبول، لكن فعليا كيف يمكن تطبيقه؟ فاذا اعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليوم ان مدينة القدس المحتلة هي عاصمة إسرائيل، فان المخيمات الفلسطينية ستنتفض انتفاضة كبرى في لبنان، ونحن نتحدث عن لبنان فقط وليس عن الانتفاضة العربية والاسلامية على مدى العالم كله، ثم سيقوم حزب الله وحركة امل بمظاهرة مليونية، ثم ستقوم الطائفة السنيّة وربما مسيحيون معهم بمظاهرة مليونية أيضا على الساحة اللبنانية، وذلك ضد الولايات المتحدة وضد أي دولة عربية تبقي على علاقاتها المتحالفة مع الولايات المتحدة.
وهنا السؤال، كيف سيتم النأي بالنفس بعد يوم الأربعاء أي اليوم، اذا اعلن الرئيس الأميركي ترامب مدينة القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، فيما ستشتعل الساحة اللبنانية كلها من المخيمات الفلسطينية الى الساحات الإسلامية سنّة وشيعة، والى مسيحيين يريدون الحفاظ على الآثار المسيحية في القدس، وعلى قبر المسيح وكنيسة القيامة. وعندها من يضمن النأي بالنفس عن ضرب المصالح الأميركية في لبنان، ومن يضمن النأي بالنفس عن اعلان التحالف مع دول عربية او ايران التي تحارب اميركا مباشرة، كذلك من يضمن النأي بالنفس من القيام بمظاهرات ضد سفارات دول عربية متحالفة مع اميركا، ورب قائل ان الجيش اللبناني سيحافظ على المصالح الأميركية وسفارات الدول العربية المتحالفة مع اميركا، وعندها ستقع الفاجعة الكبرى، لان قمع الجيش اللبناني لأي مظاهرة مليونية يعني وقوع مجزرة وايقاع الجيش اللبناني في اكبر مأزق كبير تتعرض له المؤسسة العسكرية اللبنانية إضافة الى الأجهزة الأمنية اللبنانية، لكن وضع الجيش سيكون صعبا جدا للغاية اذا طلبت منه الحكومة منع أي مظاهرة تتوجه ضد المصالح الأميركية. 
 

 من يمنع ضرب المصالح الاميركية؟


وهنا اذا كانت اميركا لم تقم بالنأي بالنفس عن الصراع الصهيوني العربي والصراع الصهيوني الفلسطيني، وقامت بالاعتراف بمدينة القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، فمن الذي يستطيع الطلب من الولايات المتحدة النأي بالنفس عن هذا القرار لانه سيكون زلزالا في الدول العربية والإسلامية وخاصة في لبنان، في ظل وجود نصف مليون لاجئ فلسطيني ومليون ونصف لاجئ سوري إضافة الى الطوائف الإسلامية الشيعية والسنية في لبنان، وعندها كيف سيكون النأي بالنفس. هل سيقبل أي مسلم لبناني بوجود مصالح أميركية فيما الولايات المتحدة تقرر إضافة الى ان وعد بلفور أدى الى اغتصاب فلسطين، وان الانتداب البريطاني طرد الفلسطينيين وشرّدهم من ارضهم وسلم الصهيونية فلسطين، ثم ان الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية قد أصبحت مدنه اكبر من المدن الفلسطينية، ثم ان اميركا تزوّد إسرائيل بكافة الأسلحة لكي تبقى اكبر قوة عسكرية تواجه كل القوى العربية مجتمعة. والان يأتي الرئيس الأميركي ترامب ليعترف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، فمن الذي يستطيع منع الفلسطيني او اللبناني من ضرب المصالح الأميركية على الساحة اللبنانية او ضرب أي حزب له علاقة بالولايات المتحدة.
ويبقى السؤال الأخير، من الذي يضمن ان تقوم الولايات المتحدة بالنأي بالنفس عن لبنان وفلسطين والشعب العربي والإسلامي.
 

 النأي بالنفس قرار لفظي


النأي بالنفس قرار لفظي شكلي وليس عملياً ويذكّر باتفاق القاهرة ومؤتمري لوزان وجنيف اللذين انعقدا في سويسرا برئاسة الرئيس الراحل سليمان فرنجية وحضور كبار قادة الأحزاب اللبنانية وفشل كل الحوار هناك. 
نحن نريد التفاؤل في ظل قرارات الحكومة، ونحاول المبالغة في التفاؤل، لكن لا نجد سبيلا الى ذلك، بل نجد ان الذي حصل هو ترقيع للتسوية السياسية لكي تستمر بضعة اشهر في ظل تبني فرنسا للحفاظ على لبنان واجرائها اتصالات مع واشنطن وروسيا ودول عربية وايران وحتى مع سوريا، لكن الى أي مدى تستطيع فرنسا الحفاظ على مبدأ النأي بالنفس؟

 

 

الجمهورية :

عاد الرئيس سعد الحريري عن استقالته ولم يعد «حزب الله» بعد من ساحاته، أكان في سوريا أم العراق أم اليمن. والبيان الذي صدر أمس بعد جلسة مجلس الوزراء الاستثنائية وتلاه الحريري شخصياً، جاء بمثابة غطاء لهذه العودة. وقالت مصادر سياسية لـ»الجمهورية»: «طبيعي أن يَحظى البيان بتأييد غالبية القوى السياسية ما دامت ممثّلة في الحكومة أصلاً، في حين أنّ الرأي العام اللبناني، وإن كان يتمسّك بالاستقرار ويفضّل عدم دخول البلاد في المجهول والمغامرات، فإنه لم يأخذ هذا البيان على محمل الجد، لأنه لم يأتِ بجديد على صعيد النأي بالنفس سواء لجهة تحديد ساحات التدخّل أو لجهة وَضعِ الآلية لهذا النأي، فجاء إنشائياً أدبياً موسّعاً بنيّةِ إنقاذِ ماءِ وجهِ الحريري تجاه قاعدته من جهة وتجاه دولِ الخليج من جهة ثانية، فيما لمسَ الصحافيون الموجودون في الكويت لتغطية أعمال القمّة الخليجية عدمَ ارتياحٍ خليجي إلى هذا البيان واعتباره «وعوداً بوعود».

علمَت «الجمهورية» أنّ سجالات سياسية ولغوية واسعة حصَلت قبل صدور بيان مجلس الوزراء بعد جلسته الاستثنائية التي انعقدت أمس في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وكادت هذه السجالات أن تتسبّب بتأجيل الجلسة والبيان معاً، لو لم يكن لبنان الدولة امام استحقاق مؤتمر مجموعة الدعم الدولية الذي سينعقد بعد غدٍ الجمعة في باريس بدعوة من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، وسيمثّل الحريري لبنان فيه ويلتقي مسؤولي المجموعة الدولية الكبار وبينهم وزير الخارجية الاميركي ريكس تيلرسون. وعُلم انّ احداث اليمن سرّعَت في البيان لتخوّفِ المسؤولين من صدور مواقف اخرى تُلقي بتداعياتها على لبنان في الايام المقبلة.

وتوقّفَت مراجع سياسية عند تعبير «التزام المكوّنات السياسية في الحكومة بالنأي بالنفس»، وقالت: «كأنه يوجد في الحكومة غير مكوّنات سياسية، ما يعني انّ هذه العبارة استُخدِمت لاستثناء مقاومة «حزب الله»، وهو حزب سياسي من جهة، وعسكري من جهة اخرى».

وكان الحريري قد اعلنَ انّ مجلس الوزراء أكّد التزام البيان الوزاري قولاً وفعلاً، وأنّ الحكومة تلتزم بما جاء في خطاب القسم لرئيس الجمهورية وبميثاق جامعة الدول العربية واحترام القانون الدولي حفاظاً على الوطن. وقال: «سنواصل تأكيد الشراكة مع الاتحاد الاوروبي، وتؤكّد الحكومة التزام القرار 1701 والدعم لقوى الامم المتحدة العاملة في لبنان». وأعلن «التزام الحكومة اللبنانية بكلّ مكوّناتها السياسية النأيَ بنفسها عن أيّ نزاعات أو صراعات أو حروب أو عن الشؤون الداخلية للدول العربية». وأعلنَ عودته عن الاستقالة.

المعارضة

وقالت مصادر سياسية معارضة لـ«الجمهورية»: «إذا كان «حزب الله» وحلفاؤه قد استنَدوا إلى ما جاء في بيان استقالة الحريري من الرياض للقول إنّ مضمون الاستقالة سعوديّ وإنّ الرئيس الحريري «محتجَز» في المملكة، فإنّ بيان العودة عن الاستقالة يَسمح للمعارضة اللبنانية بالقول إنّ «حزب الله» هو مَن صاغ البيان وإنّ الحريري ومَن معه في صفقة التسوية عادوا إلى الإقامة السياسية الجبرية عند المحور الإيراني».

وأضافت: «إذا كان الحل لسيادة لبنان وللنأي بالنفس في «خطاب القسم» كما جاء في بيان مجلس الوزراء، فلماذا لم ينفّذ «خطاب القسم» على مدى أكثر من سنة؟ وإذا كان كما جاء في البيان الوزاري فلماذا لم ينفّذ هذا البيان على مدى أحد عشر شهراً؟ وإذا كانت الحكومة صادقةً في الالتزام بالقرارات الدولية فلماذا لم تجرؤ على ذِكر القرار 1559؟ وإذا كانت جدّية في تطبيق القرار 1701 فعليها أن تبسط سيادتها بقواتها الشرعية حصراً على كلّ الاراضي اللبنانية».

وإذ ذكّرَت المصادر، الحكومة ومكوّناتها «بأنّ اتفاق الطائف لا ينصّ فقط على انّ لبنان هو بلد عربي وإنّما ينصّ ايضاً على وجوب حلّ كلّ الميليشيات وتسليم اسلحتِها خلال 6 أشهر»، وتساءلت: «ماذا يعني ما جاء في البيان من انّ الحكومة قررت النأيَ بنفسها عن النزاعات والحروب في الدول العربية؟ وهل إنّ الحكومة هي من قرّرت ان تشارك في هذه الحروب لتعودَ وتنأى بنفسها؟

أمّا إذا كان المقصود قراراً اتّخذته الحكومة بمنعِ «حزب الله» وأيّ فريق آخر بالتدخّل في النزاعات والحروب العربية فعلى الحكومة ان ترفقَ قرارَها بآلية تنفيذية تكلّف من خلالها الجيشَ والقوى الامنية والعسكرية الشرعية الاخرى بتنفيذ هذا القرار من خلال منعِ انتقال مقاتلي «حزب الله» في الاتجاهين عبر الحدود البرّية والبحرية والجوّية».

وخَتمت المصادر: «الصدمة الايجابية التي قال الحريري إنه سعى لإحداثها من خلال استقالته انتهت صدمةً سلبية عند الرأي العام اللبناني الذي اكتشف أنّ القيّمين على السلطة ليسوا أصحابَ قرارهم وبالتالي فإنّهم تخلّوا عن القرار السيادي لجهات غير شرعية في الداخل تعمل وفقاً لأجندات خارجية واضحة».

الجميّل

وقال رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل: «إنّ الحكومة التزمت النأي بالنفس وكأنّ من يتدخّل في شؤون دول أخرى هي الحكومة والجيش وفي كلّ ذلك ذرٌّ للرماد في عيون اللبنانيين». وأضاف: «حرامٌ تفويت الفرصة على اللبنانيين للوصول الى حلّ جذري، خصوصاً انّنا عدنا الى ما كنّا عليه وعاد كلّ الأداء الذي رأيناه السَنة الماضية».

حرب

ورحّب النائب بطرس حرب بعودة الحريري عن استقالته، وقال لـ«الجمهورية»: «أتمنّى أن لا يكون بيان التزام النأي بالنفس تعبيراً لفظياً أو إرضاءً لفظياً بلا مضمون، وأن لا نقعَ في الإشكال نفسِه الذي وَقعنا فيه المرّةَ السابقة. تمنّياتي أن أكون مخطئاً، إلّا أنّ تاريخ الممارسة لا يبشّر بالخير».

سعَيد

بدوره النائب السابق فارس سعيد قال لـ«الجمهورية»: «البيان الحكومي لم يتطرّق الى اسباب الاستقالة، بل تطرّقَ فقط الى ابتكار مخرج لفظي لأزمة حكومية من دون تقديم مخرج للأزمة السياسية التي يتخبّط فيها لبنان والمتمثّلة بوضعِ ايران يدَها على قراره عبر «حزب الله»، وبالتالي فإنّ البيان هو أقلّ مِن «إعلان بعبدا» ويتناقض مع الدستور وقرارات الشرعية الدولية حتى ولو حملَ في طيّاته هذه النقاط».

وأضاف: «مَن يتدخل في شؤون المنطقة هو «حزب الله» الذي يَستخدم لبنان منطلقاً للتدخّل في شؤون الآخرين، ومعالجةُ تدخّلِه في اليمن مسؤولية لبنانية طبعاً، لكن هل كان ليتدخّلَ في اليمن أو في سوريا والعراق لو لم يكن موجوداً في لبنان أوّلاً؟ فوجوده بسلاحه غيرِ الشرعي وهيبتِه على حساب الدولة اللبنانية هو الذي يعطيه البيئة الحاضنة للتدخّلِ في اليمن والعراق وسوريا.

والمعالجة يجب ان تكون لسلاحه عبر العودة الى طاولة الحوار ووضعِ جدولٍ لتسليم هذا السلاح الى الجيش اللبناني تنفيذاً لوثيقة الوفاق الوطني وللدستور ولقرارات الشرعية الدولية حرفياً».

ترحيب وزاري

وكان الوزراء قد أجمعوا على الإشادة بالطريقة التي أدارَ فيها عون الأزمة، وبتضامنِ اللبنانيين، وحيّوا «مناقبية رئيس الحكومة والموقفَ النبيل الذي اتّخَذه». وحيّا الوزير علي قانصو مواقفَ عون وجهودَه ومواقفَ رئيس مجلس النواب نبيه بري، واعتبَر انّ بقاء الحريري «يشكّل اساساً للاستقرار السياسي».

أمّا الوزير مروان حمادة فقدّم ملاحظاته الشخصية ووزّعها على الصحافيين.

وركّز الوزير علي حسن خليل على «التضامن وضرورةِ استكمال المشوار مع الرؤساء الثلاثة، ومتابعة عملِ الحكومة بالفعل لئلّا تكون فترة ما قبل الانتخابات فترةَ تصريف اعمال». وقال: «على الحكومة ان تكون فاعلة وتمارس اعمالَها، وإنّ الموقف الوطني الذي ظهرَ لم يكن عابراً بل هو موقف متضامن سينعكس أداءً جيّداً وفاعلاً وباسمِ الكتلة أعلنُ الالتزام بالنص».

وهنّأ الوزير طلال أرسلان بالوصول الى «النهاية السعيدة»، وثمّنَ دورَ عون وبري، وقال: «الآن علينا العمل لحماية الاستقرار كما جاء في كلمة الرئيس الحريري، وأعلنُ التزام حزبي بالورقة».

وشكرَ الوزير يوسف فنيانوس عون على مواقفه، واعتبَر أنّ عودة الحريري عن استقالته «دليل عافية للوطن»، وتمنّى ان تكون الحكومة منتِجة في الفترة المقبلة.

وأيَّد الوزير ميشال فرعون البيان «بلا تحفّظ»، خصوصاً لجهة التشديد على «خطاب القسم» وابتعاد لبنان عن نزاعات المنطقة والتشديد على فقرة «النأي بالنفس» مع اعتماد إضافةِ الحريري حول «ضرورة الالتزام بالفعل وليس فقط بالقول». وتمنّى «إعادةَ تفعيل العمل الحكومي والعملَ على تحصين العلاقات العربية». وطالبَ باستئناف الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية «لأنّ الاتفاق عليها كفيل بتحصين الوفاق الوطني».

وقال وزير «حزب الله» محمد فنيش: «نشعر بالافتخار بوجود رئيس مِثل الرئيس عون يُدافع عن سيادة البلد وكرامته ومؤسساته مع وجود رئيس حكومة، وعلى رغم الضغوط، يصِرّ على اعتماد سياسة هدفُها خدمة مصلحة لبنان.

وأكّد «أنّ الحكومة أنجَزت خلال فترة ما عجزَت عن إنجازه حكومات طوال 15 عاماً، والمهم البحث عمّا يَجمعنا ويَخدم مصلحة البلد». وأكّد «الحِرص على استمرار هذه الروحية والاستقرار الأمني والسياسي وأن تقوم الحكومة بواجبها لتحقيق الإنجازات المطلوبة»، وأكّد التزامه البيانَ الحكومي.

فنَيش لـ«الجمهورية»

وقال فنيش لـ«الجمهورية»: «عشنا منذ عام ٢٠٠٥ التناحرَ والانقسام والمكايدة، فلم يَنُبْنا سوى تعطيل المؤسسات وتدهورِ الأوضاع على كلّ الصُعد، وفِي هذه المرحلة الزمنية اعتَمدنا الشراكة والحوار فنجَحنا في المحافظة على استقرار لبنان، كلّ واحد منّا لديه مواقفه وسياسته لكنّنا استَطعنا تنظيمَ خلافاتنا، والنهج المتبع بالتوافق والتعاون والتشاور هو النهج السليم، ومِن هنا أبلغتُ مجلس الوزراء انّنا مستمرّون بهذه الروحية وحريصون على الاستقرار ومصلحةِ البلد».

واعتبَر الوزير جبران باسيل «أنّ المواقف التي صَدرت عن مجلس الوزراء تشكّل ضماناً كبيراً وصمامَ أمانٍ للسنوات المقبلة». واقترَح إضافة عبارة «شكر الرئيس الحريري على موقفه وعودته عن الاستقالة». ولوحِظ وقوف وزير الإعلام ملحم الرياشي إلى جانب الحريري لدى تلاوتِه البيان، فيما دخل الوزير غطاس خوري إلى قاعة الصحافة للاستماع الى بيان رئيس الحكومة.

«القوات» لـ«الجمهورية»

وفيما أكّدت مصادر وزارية لـ«الجمهورية» أنّ «القوات اللبنانية» لم تكن على اطّلاع مسبَق على البيان، قالت مصادر «القوات» لـ«الجمهورية»: «مسوّدةُ البيان ارسِلت الى رئيس الحزب سمير جعجع مساء امس الاوّل فاطّلعَ عليها وطلبَ من وزراء «القوات» تأييدَ مضمونه المرتكز الى مجموعة عناصر ومسَلّمات تتّصل بالقرارات الدولية والشرعية العربية و«اتّفاق الطائف» والدستور اللبناني و»خطاب القسم» وهي مجموعة نصوص مرجعية تشكّل في حدّ ذاتها ضمانَ التنفيذ».

وأضافت: «الأسباب الموجبة للاستقالة انتفَت مع مضمون هذا النص المرجعي الذي يؤكّد الالتزام بسياسة النأي بالنفس، ونؤيّده، وبذلك تكون الاستقالة قد حقّقت هدفَها، وتأكّد أنّنا كنّا على حق في ما ذهبنا إليه من اللحظة الأولى، إذ ذهبنا إلى جوهر الاستقالة وأسبابِها لأنّ الحملة علينا كانت للعودة إلى خط 4 تشرين الثاني، فيما نجحنا عبر تركيزنا على جوهر الاستقالة في نقلِ لبنان من هذا الخط الى مرحلة جديدة، وبالتالي فإنّ الاستقالة أخرَجت لبنان من هذا الخط، وما ركّزنا عليه تَحقّق اليوم من خلال تعديلٍ مهم لجهة النأي بالنفس. فما تحقّقَ كان انتصاراً للبنانيين لأنّ توريطَ لبنان في نزاعات المنطقة ينعكس سلباً عليه».

ولاحظَت المصادر «أنّ النص اليوم يختلف عن النصوص السابقة، فهناك تعهّدات وضمانات خارجية لم تكن متوافرة في مرحلة سابقة، و»حزب الله» اصبَح على دراية في انّ ايّ تجاوزٍ مستقبلاً سيؤدّي الى استقالة وإلى المسار نفسِه، لذلك سيَحسب ألف حساب لأيّ خطوة أو موقف، وسنشهد تبدّلاً في مواقفه وسلوكه. وما حصَل يصبّ في خانة تعزيز التسوية».

«حزب الله»

في غضون ذلك أطلقَ نائب الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم مواقفَ لافتةً في مؤتمر الوحدة الإسلامية الذي انعقد في طهران أمس، فقال

«لا بدَّ من أن يكون نموذج «حزب الله» كحركة وجماعة حاضرًا وجاهزًا لأنه استطاع خلال حقبةٍ زمنية قصيرة أن يقدّم نموذجَ المقاومة التي هزَمت أعتى قوّة في المنطقة إسرائيل»، وقال: «لن نتفرّج في محور المقاومة على أميركا وإسرائيل يقودان محور الشر للسيطرة على منطقتنا، لتفتيتِها وإنهاء القضية الفلسطينية، هم يجتمعون على باطلِهم ثمّ يقولون لنا تفرّقوا، لماذا يتعاون «حزب الله» مع إيران؟ ولماذا تتعاون سوريا مع العراق؟

ولماذا يتعاون اليمن مع شعوب المنطقة؟ أمّا هم فمِن حقّهم أن تتعاون أميركا وإسرائيل ودول الخليج وآخرون من أجل أن يَقتلوا الأطفال والشيوخ والنساء، نحن نتعاون من أجل استقلالنا ومن أجل مستقبلنا، ولذا نحن أحقُّ في أن نجتمع على حقّنا، خيارُنا أن نكون في محور المقاومة، فبلدُنا يحتاج إلى دعمِ هذا المحور، وبهذا الدعم حقّقنا تحرير لبنان من الاحتلال، وتحريرُ سوريا والعراق من الإرهاب التكفيري كان بدعم وحضور القيادة في إيران».

وأضاف: «نحن اليوم في مرحلة صياغة مستقبل المنطقة، وليسوا هم الذين يصوغونها، نحن الذين نصوغها، ونجاحاتُ هذا المحور على ائتلاف الشر الدولي مؤشرٌ على قدرتنا لحماية خياراتنا».

 

 

اللواء :

استأنف مجلس الوزراء دورة العمل، في جلسة عقدت، استثنائياً في بعبدا، منهياً انقطاعاً عن عقد جلسات واتخاذ القرارات، دام شهرا ونيفا، كانت أبرز محطاته إعلان الرئيس سعد الحريري التريث في المضي في استقالته، يوم عيد الاستقلال في 22 ت2 الماضي.

وهكذا في الجلسة التي وصفت بأنها «جلسة تاريخية»، ومحطة من المحطات ذات الأهمية الاستثنائية في تاريخ لبنان الحديث، عاد الرئيس الحريري عن استقالته، وسط ترحيب مكونات الحكومة وارتياح اقتصادي وسياسي عشية الأعياد المجيدة، الواعدة باقبال لبناني وأمني على تمضية الأعياد في لبنان، ايذاناً بأن «التسوية» المؤسسة للاستقرار اللبناني ماضية إلى الامام.

وإذا كان الرئيس الحريري اعرب خلال الجلسة عن أمله في ان تشكّل «فرصة جديدة للتضامن لحماية البلد» انطلاقاً من قرار نعلن فيه النأي بالنفس قولاً وفعلاً.. وأن مصلحتنا هي ان نحمي علاقتنا التاريخية مع السعودية وكل الخليج، ولا نعطي أي ذريعة للمصطادين بالماء العكر لجر لبنان إلى الفوضى».

وقال مصدر وزاري لـ «اللواء» ان طي صفحة الاستقالة وكان بإجماع مكونات الحكومة على أهمية التبصر بما يحيط بلبنان من منطقة ملأى بالغليان، وإن أساء أحد التقدير، فإن خطوة غير محسوبة كهذه يمكن ان تأخذ البلد إلى الهاوية.

مجلس الوزراء

وفي المعلومات، ان الجلسة الاستثنائية لمجلس الوزراء، التي انعقدت أمس، في بعبدا، على مدى ساعة كاملة، لم تخالف التوقعات بالنسبة للبيان المتفق عليه لمعالجة أزمة استقالة الرئيس الحريري، والذي كرس ببضع عبارات مأخوذة من البيان الوزاري لحكومة «استعادة الثقة»، وخطاب القسم ووثيقة الوفاق الوطني، واضيف إليه قرار صدر بإجماع مكونات الحكومة السياسية، أكّد التزام الحكومة «بالنأي بالنفس عن أي نزاعات أو صراعات أو حروب أو عن التدخل بالشؤون الداخلية للدول العربية، حفاظاً على علاقات لبنان السياسية والاقتصادية مع أشقائه العرب».

وذكرت مصادر وزارية ان أجواء الجلسة كانت هادئة وسلسلة وإيجابية، لم يخرج فيه الوزراء عن نص ما هو مكتوب، وعن ما سبق البيان، من مداخلتين مسهبتين لكل من الرئيس عون والرئيس الحريري، قبل ان يفسح في المجال امام الوزراء للادلاء بوجهات نظرهم والنقاش، والذي انتهى بإجماع مكونات الحكومة على الموافقة على البيان من دون اعتراض أحد أو ملاحظة من أي طرف، باستثناء ثلاث ملاحظات اوردها الوزير مروان حمادة في مداخلة مكتوبة عن رأيه الشخصي في البيان من دون أي تحفظ منعا لإنهاء التسوية، ناقلا موقف كتلة «اللقاء الديموقراطي» المؤيد للبيان، فيما لوحظ ان الرئيس عون كان يدون ملاحظات بعض الوزراء الذين تعاقبوا على الكلام، علما ان هذه الملاحظات لم تخرج عن السياق الإيجابي.

ولاحظت المصادر ان البيان عالج مبدأ النأي بالنفس بالتوضيح، وبعبارات محددة، عن النزاعات أو الصراعات أو عن الحروب، أو عن التدخل بالشؤون الداخلية للدول العربية، لكنه لم يتطرق إلى السلاح، ولا إلى «حزب الله» بالاسم، ولا إلى طلب اتخاذ إجراءات رادعة لمسألة انسحابه من بعض الدول العربية، كما لم يرد فيه أي فقرة بالنسبة لوقف الحملات الإعلامية، الا في المداخلة المكتوبة للرئيس الحريري، والذي لفت فيها إلى ان «التهجم على دول الخليج في الإعلام وفي السياسة يُهدّد مصالح لبنان وخصوصا مصالح اللبنانيين الذين يعملون في الخليج، وصار واجباً علينا ان نضع يدنا على الموضوع وأن نتخذ قراراً نعلن فيه النأي بالنفس قولاً وفعلاً، ويجب ان نقتنع ان التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج له انعكاسات خطيرة على اوضاعنا وعلى مصالحنا، وإذا كنا نرفض أي دولة ان تتدخل في شؤون لبنان، فلا يجوز ان نقبل ان أي طرف لبناني يتدخل في شؤون الدول العربية وخصوصا دول الخليج العربي.

ولفت الحريري انتباه الوزراء إلى ان المنطقة تغلي ويجب الا يكون لدينا أي وهم بأن أي دعسة ناقصة يمكن ان تجر البلد إلى مهوار خطير، مشيرا إلى ان ما قمنا به حتى اليوم كان قمّة المسؤولية وأهم ما فيه اننا رفضنا الانجرار خلف شعارات ودعوات لا وظيفة لها إلا استدراج الفوضى»، متمنياً على الجميع ان يأخذوا هذه المسائل بأعلى درجات المسؤولية، وأن نفتح صفحة جديدة للبلد تحمي استقراره وتحمي العلاقات الأخوية مع الأشقاء العرب.

وإذ لاحظ ان التطورات في المنطقة توحي بوجود موجة جديدة من الصراع الذي صار في نهاية الشوط، لفت إلى اننا امام تطوّر غير مسبوق في المنطقة وهو عزم الإدارة الأميركية على إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وقال ان هذا التطور ستكون له انعكاسات، وفي حال حصوله، سيكون للحكومة موقف واضح في إطار الموقف العربي الجامع الذي يُؤكّد على حق الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة عاصمتها القدس.

وكان الرئيس الحريري أذاع بنفسه البيان الذي صدر عن مجلس الوزراء، بعد انتهائه، وبدأه بالاشارة إلى ان الجلسة الاستثنائية انعقدت بدعوة من رئيس الجمهورية استناداً إلى الفقرة 12 من المادة من الدستور، مع ان المتعارف عليه هو أن رئيس مجلس الوزراء هو من يوجه الدعوات بالاتفاق مع رئيس الجمهورية. وجاء ذلك، رداً على ما تردّد في بعض الأوساط من انه لم يكن جائزاً للرئيس الحريري توجيه الدعوة ليل أمس الأول، طالما انه سبق واعلن استقالته ثم استجاب لرغبة الرئيس عون بالتريث.

ثم اختتم الحريري البيان بشكر مجلس الوزراء رئيسه على موقفه، وعلى عودته عن الاستقالة، وهذه الفقرة أضيفت على البيان باقتراح من الوزير جبران باسيل، الذي اعتبر ان مواقف مجلس الوزراء تشكّل ضمانة أمان للسنوات المقبلة، ثم غرّد ليلاً على حسابه عبر «تويتر» قائلاً: «بوحدتنا حول سيادة لبنان وكرامة اللبنانيين نجحنا في تحويل الأزمة إلى فرصة وخرجنا منها أقوى»، مضيفاً «قد نكون حصلنا على استقرار مستدام إذا ما أحسنا».

وسبق مداخلة الحريري، مداخلة مسهبة للرئيس عون استهل بها الجلسة، لم يوزع المكتب الاعلامي في رئاسة الجمهورية تفاصيلها، مكتفياً 

 

 

 

 

بأنه عرض بالتفصيل للمراحل التي تلت إعلان الرئيس الحريري استقالته من الخارج، والتحرك الذي قام به لمعالجة هذا الموقف من خلال الاتصالات التي أجراها داخل لبنان مع القيادات السياسية والروحية والمالية ومع عدد من قادة دول العالم، لافتاً إلى ان التركيز كان على عودة رئيس الحكومة إلى لبنان والبحث معه في الظروف التي رافقت إعلان الاستقالة.

وشدّد عون على ان موقفه في هذه الازمة انطلق من عدم قبوله بأن تمس أي سلطة في العالم كرامتنا، فلا وطن صغيراً أو كبيراً، بل الكل يجب ان يكون متساوياً في العزة والكرامة، كما ان الموقف كان موقف مواجهة ووحدة اللبنانيين تبقى الأساس لحماية الاستقرار في البلاد.

مداخلات الوزراء

وبعد مداخلة الرئيسين عون والحريري، تحدث 9 وزراء، ابرزهم الوزراء محمّد فنيش (عن حزب الله)، وعلي حسن خليل (أمل)، مروان حمادة (الحزب الاشتراكي)، علي قانصو (القومي)، طلال أرسلان وميشال فرعون ويوسف فنيانوس (المردة) وملحم رياشي (القوات)، الذي كان أوّل المتحدثين معلناً تأييده لما ورد في نص البيان وكلام الرئيسين عون والحريري، متمنياً ان تستأنف الحكومة اجتماعاتها وتعود للعمل، فيما اجمع الوزراء على الإشادة بالطريقة التي أدار فيها الرئيس عون الأزمة، وبالتضامن بين اللبنانيين وحيوا الرئيس الحريري والموقف النبيل الذي اتخذه.

  اما الوزيرحمادة فقد عبر عن موقف شخصي لا عن موقف كتلة النائب وليد جنبلاط، واثار موضوع وجوب حصر السلاح بالدولة اللبنانية وتسليم سلاح «حزب الله» الى الجيش اللبناني والبحث عن حل له بين بعضنا كلبنانيين، ودعا «الى الخروج من الصراعات في المنطقة تسليحاً وتدريباً وتحريضاً اعلامياً ايضا». 

 وقال حمادة: البيان الوزاري للحكومة تحدث عن ان النمو الاقتصادي كان اقل من 2 في المائة، وان الفقر كان بنسبة 30 في المائة ونسبة البطالة 35 في المائة، والان هذه النسب اصبحت اكثر، والسبب ليس تقصيرا من الحكومة ولا احمل رئيس الجمهورية المسؤولية، انما العبث بالعلاقات مع الدول العربية هو السبب، ولولا ان هناك ازمة فعلية ولولا اهدار التسوية الاولى لماكنا هنا نبحث عن الحل.

 وألمح حمادة بشكل غير مباشرالى الاشكال المثار بين وزيرالعدل سليم جريصاتي وبين النائب سامي الجميل والى استدعاء الاعلامي مارسيل غانم للتحقيق، وقال:يجب عدم استباحة الحريات لا العامة ولا الخاصة، خاصة لمن هم خارج القانون ام المتلبسين به. 

واستوقف انتباه المراقبين تعقيب وزير «حزب الله» محمّد فنيش، الذي قال خلال الجلسة: «نشعر بالافتخار لوجود رئيس مثل الرئيس عون يدافع عن سيادة البلد وكرامته ومؤسساته، ومع وجود رئيس حكومة، وعلى الرغم من الضغوطات، يصر على اعتماد سياسة هدفها خدمة مصلحة لبنان.

وأكّد فنيش ان الحكومة انجزت خلال فترة ما عجزت عن إنجازه حكومات طوال 15 سنة، والمهم البحث عمّا يجمعنا ويخدم مصلحة البلد. مضيفاً: نحن حريصون على استمرار هذه الروحية والاستقرار الأمني والسياسي وأن تقوم الحكومة بواجبها لتحقيق الإنجازات المطلوبة، وأكّد التزامه بالبيان.

ولاحقاً، أعلن فنيش لوكالة الأنباء «المركزية» ان «البيان الحكومي يعبر عن موقف مجلس الوزراء مجتمعا ونحن موافقون على كامل بنوده، وهولا يشكل بيانا جديدا بل موقف سياسي من مجلس الوزراء نتج من إعلان الاستقالة وتأكيد على البيان الوزاري الحالي، الذي يشكل خطاب القسم جزءا منه». 

 واضاف: البيان يرتب التزامات على كامل أعضاء الحكومة»، مشيرا الى أنه لم يكن من اعتراضات داخل مجلس الوزراء من قبل أي من الاطراف». وأكد أن «لا أزمة بين تيار «المستقبل» و«حزب الله»، حتى قبل إعلان الاستقالة»، مشيرا الى أن «طرفا آخر افتعل الازمة والكل يعرف من هو»، مضيفا «كان هناك سعي لتخريب هذه العلاقة، لكن في النهاية جرى احتواء الازمة بما يخدم مصلحة البلاد».

 اما «القوات اللبنانية» فأكدت عضو كتلتها النيابية النائب ستريدا جعجع لـ«المركزية» «ان «القوات» لم تكن بعيدة من «طبخ» التسوية الجديدة وان كان الامر لم يظهر بوضوح في الاعلام»، واعتبرت «ان التسوية بصيغتها التي اقرّها مجلس الوزراء انتصار لكل اللبنانيين، لانها تعزّز الاستقرار الداخلي وتُعيد الحكومة الى دائرة العمل بعد غياب استمر شهراً، وهذا ما كنا نطالب به كـ«قوات لبنانية». 

 وقالت «ما حصل في مجلس الوزراء ضمانة لكل اللبنانيين ولتعزيز الاستقرار، لأن التسوية الجديدة خطوة ايجابية جداً ومهمة لطالما كنا ننادي بها كحزب سياسي، ونحن مستمرون في الحكومة، لان ما اُقرّ انتصار لنا كـ«قوات»، وحيّت الرئيس الحريري، لأنه لولا «الصدمة الايجابية» التي احدثها بالاستقالة من الحكومة لما تحققت التسوية الجديدة».

«المستقبل»

وفيما لوحظ ان ايا من وزراء كتلة «التيار الوطني الحر» لم يتحدث في الجلسة، باستثناء باسيل، وكذلك وزراء «المستقبل»، ترأس الرئيس الحريري عصراً اجتماعاً لكتلة «المستقبل» النيابية في «بيت الوسط»، حضره الرئيس فؤاد السنيورة والأعضاء، أصدرت الكتلة في نهايته بياناً رحّبت فيه بقرار مجلس الوزراء القاضي بالتزام الحكومة بإجماع كل مكوناتها السياسية النأي بنفسها عن أي نزاعات أو صراعات أو حروب أو عن أي تدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وحيت الجهود التي قام بها الحريري للوصول إلى هذا القرار وإلى تطبيق النأي بالنفس قولاً وفعلاً، كما تبلغت بارتياح قرار الرئيس الحريري العودة عن الاستقالة بناء لهذه النتيجة، وتمنت عودة سريعة لانتظام عمل الحكومة ومجلس الوزراء لمواجهة التحديات الكبيرة التي يواجهها لبنان.

ولاحظ نواب شاركوا في اجتماع الكتلة لـ«اللواء» ارتياح الرئيس الحريري لاجواء جلسة الحكومة، والتزام كافة القوى السياسية بما اتفاق عليه، ولا سيما على صعيد النأي بالنفس، وانه شدّد على وجوب عدم افتعال خلافات مع أحد في هذه المرحلة.

وأشار هؤلاء إلى ان الرئيس الحريري بدا أكثر حزماً سواء في ادارته لعمل الحكومة، أو بالنسبة لأداء نواب الكتلة، وان الحريري قبل 4 تشرين الثاني ليس الحريري بعد هذا التاريخ.

وقالت مصادر السراي ان الحريري سيزاول اتبادء من اليوم عمله في السراي الحكومي حيث سيرعى مؤتمراً تنموياً، وانه يتحضر للسفر غداً الخميس لترؤس الوفد اللبناني إلى مؤتمر مجموعة الدعم الدولية للبنان.

وأعلنت وزارة الخارجية الفرنسية ان رئيس الحكومة اللبنانية «سيلتقي الجمعة في باريس كبار مسؤولي المجموعة الدولية بينهم وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون الذين يريدون دعم العملية السياسية في لبنان بعد الأزمة التي اثارتها استقالته المفاجئة قبل نحو شهر والتي عاد عنها اليوم».

وافادت الخارجية ان «الهدف هو دعم العملية السياسية في فترة حساس، وسيشكل ذلك رسالة للاطراف اللبنانيين ولدول المنطقة في الوقت نفسه».

وقالت المصادر ان الرسالة هي العمل من مدخل تقوية المؤسسات اللبنانية.

وتابعت أن «سعد الحريري اطلق عملية مشاورات مع كل القوى السياسية اللبنانية لتأمين برنامج يتيح له ترسيخ حكومته والعمل على اسس متينة». من جهته قال مصدر دبلوماسي ان ذلك يمر عبر تعزيز الجيش اللبناني، حامي الوحدة الوطنية، ودعم المشاريع الاقتصادية لسعد الحريري التي تتطلب استثمارات اجنبية. واجتماع باريس لن يكون مؤتمرا للمانحين لكن من المتوقع ان يعطي دفعا لتأمين مساعدة دولية في المستقبل للبنان.

اللجان المشتركة 

سجلت جلسة اللجان النيابية المشتركة اكثر من محطة سجالية – منها ما هو في صلب الملف النفطي الذي يتفرد به جدول اعمالها – ومنها ما جاء في الشكل، ليؤكد حقيقة الخلاف النيابي الحكومي من جهة، والسياسي في اكثر من فريق من جهة ثانية، فتأجل النقاش بالإقتراحات الاربعة التي تقدمت بها كتلة التتنمية والتحرير بإيعاز من رئيس مجلس النواب نبيه بري على ان يتم البحث فيها مجددا عند حضور الوزراء المعنيين (وتحديدا وزيري الطاقة والمال)، والذين غابوا لأرتباطهم بجلسة مجلس الوزراء الإستثنائية، ولم تتوصل اللجنة الا الى اقرار مشروع طلب الموافقة على ابرام اتفاقية قرض مع الوكالة الفرنسية للتنمية للمساهمة في تمويل استثمارات القطاع الخاص في مجال توفير الطاقة والطاقة المتجددة بقيمة 34 مليون دولار.

اما النقاشات والتي طالت بعض وتيرتها العالية النبرة، خارج قاعة الهيئة