ما قاله الرئيس الإيراني حسن روحاني وأثار موجة احتجاج عارمة لدى قسم من لبنان يتقدمه الرئيس سعد الحريري، لا يزال هيّناً مقارنة بما لم يقله الرئيس الإيراني. فما هي قصة الكلام الإيراني غير المعلَن حتى الآن؟ 

كان لافتا في اليومين الماضيين التجاهل الإيراني الكامل لردة الفعل اللبنانية على ما ورد في كلمة الرئيس روحاني في ملتقى ذكرى مرور أربعين عاما على مصرع مصطفى الخميني نجل مؤسس الجمهورية الإسلامية الإمام الخميني في النجف عام 1977 حيث كان الأخير منفيا في العراق. فلم ترد أية إشارة إلى ردة الفعل هذه التي بدأها الرئيس الحريري في وسائل الإعلام الإيرانية أو تلك التابعة لطهران في لبنان. مع العلم ان هذا التجاهل شمل أيضا الرئاستين الأولى والثانية اللتين لاذتا بالصمت في شأنٍ مصنّفٍ سيادياً. 

لكن موقع "التيار" الالكتروني التابع لـ"التيار الوطني الحر" الذي يتزعمه وزير الخارجية جبران باسيل اختار من بين كل ردود الفعل التي صدرت في الصحف اللبنانية ما ورد فقط في الزميلة "البناء" التابعة للحزب السوري القومي الاجتماعي، والتي قالت انه "تم افتعال ردود غبّ الطلب على كلام للرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني بعد تشويهه...لكن الحاجة إلى إثبات الولاء للسعودية في زمن التشكيك... دفع إلى الإسراع في وضع كلام الرئيس الإيراني في خانة انتهاك للسيادة اللبنانية"!

بالطبع إن صحف إيران ووكالات أنبائها التي أبرزت كلمة الرئيس روحاني كانت معنية بإبراز الجانب المعنوي الذي يرفع من منسوب الاعتداد بالنفس في بلاد فارس التي تقف الآن عند مفترق طرق بفعل التطورات الإقليمية التي وضعت التمدد الإيراني في المنطقة في واجهة الاهتمام. وفي هذا الإطار يمكن فهم قول روحاني انه "لا يمكن القيام في العراق وسوريا ولبنان وشمال أفريقيا والخليج الفارسي بأي خطوة مصيرية من دون إيران". ويرى متابعون للشأن الإيراني أن كلام روحاني له وظيفة واحدة ألا وهي إسماع صوت طهران في واشنطن التي قالت بالأمس على لسان وزير خارجيتها ريكس تيلرسون ومن بغداد تحديدا إنه حان الوقت "لتعود الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران إلى ديارها"، خصوصاً أن الحرب على تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) "شارفت الانتهاء".

الأخطر مما قاله روحاني لكي تسمعه واشنطن ما ورد في مقال منشور في 29 أيلول الماضي كتبه فرانكلين لامب على موقع "الاوبزرفر" الالكتروني تحت عنوان "حزب الله أطلق المرحلة الأولى من الحرب المقبلة مع إسرائيل". وفي هذا المقال الذي تضمّن مقابلة مع مسؤول عسكري في الحزب جاء فيه أن "حزب الله" نشر قوات وصواريخ في أكثر من مئة قرية في جنوب لبنان من أجل شنّ هجمات على القوات الإسرائيلية من جوار مناطق مدنية. وستطلق الصواريخ بصورة رئيسية من مناطق مدنية. ومن المتوقع أن الهجمات الإسرائيلية المضادة على التجمعات المدنية ستلحق خسائر فادحة بالمدنيين. عندئذ سيبادر الحزب ووسائل الإعلام الحليفة له فورا إلى نشر حصيلة الضحايا من المدنيين دولياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي لخلق إدانة دولية لإسرائيل لكي تكون وسيلة ضغط على غرار ما حصل عام 2006 وفي غزة 2014 لتحضير قرار من الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار!

من المؤكد، وقد جاء هذا المقال شاهداً، ان نظرية الدروع البشرية من المدنيين لن يتخلى عنها "حزب الله" في الحرب المقبلة بينه وبين إسرائيل والتي صارت احتمالا لا يستهان به. ولا يحتاج المرء إلى جهد لكي يربط كلام روحاني بالنفوذ الذي تمارسه طهران عبر "حزب الله" وسائر الأذرع الإيرانية في المنطقة. وبالتالي عندما سيذهب الحزب الى الحرب المقبلة مع الدولة العبرية سيكون فصيلا إيرانيا متقدما بكل ما في هذه العبارة من معنى.

ماذا يمكن لبنان أن يفعله في مواجهة الكارثة الآتية التي ستلحق بالبلاد عموما والجنوب خصوصا أفدح الأضرار؟ أولى المهمات أن يصدر توضيح لما نشرته حديثا مجلة "فورين بوليسي" الأميركية وفق سيناريوهات الحرب الإسرائيلية، والتي أوردت احتمال "دخول الجيش اللبناني الحرب إلى جانب حزب الله". أما عن الولايات المتحدة الأميركية ودورها في الشرق الأوسط وتحديداً بشأن مستقبل الحرب بين إسرائيل ولبنان، فقد أشارت المجلة إلى أن الموقف الأميركي "ضعيف بسبب افتقاره الى الإستراتيجية في المنطقة، ما سيصعّب وقف الحرب في حال اشتعالها بين البلدين".

من المفهوم ان يتصدى بعض لبنان لما صدر عن الرئيس الإيراني الذي جعل مصير لبنان بيد القرار الإيراني. لكن هذا التصدي كي لا يكون مجرد زجل ينتهي مفعوله سريعا يتطلب المبادرة من هذا البعض من لبنان الى القيام بأوسع تحرك كي لا يأتي متأخرا بعد خراب البصرة وأخواتها في نطاق الهلال الإيراني الذي لم يعد فيه معتدل ومتطرف بعد كلام روحاني الذي كان مصنَّفا معتدلا حتى وقت قريب!