التحرش الجنسي قديما وحديثا وغياب المعالجات
 

تمهيد: تسعى جماعات ناشطة في مجال حقوق المرأة في لبنان والعالم العربي للحدّ من اضطهاد المرأة على المستوى القانوني على الأقل، فكان إقرار قانون الخُلع في مصر الذي يعطي المرأة حق ّطلب الطلاق لأسبابٍ وجيهة مع تنازلها عن حقوقها المادية، كما أُلغيت القوانين التي تسمح للمُغتصب بالنّجاة من جنايته بالزواج من ضحيّته، فينال جائزة مُرضية بدل العقاب الزّاجر، ويجري العمل هذه الأيام على إصدار تشريعات تُعاقب على التحرُّش الجنسي أملاً في الحدّ من تفاقم أضرار هذه الظاهرة واستفحالها.
أولاً: التحرش أيام زمان الوادعة...
لا يمكن التحرش أولاً إلاّ حيث يحصل الاختلاط بين الجنسين، وفي تاريخ العرب والإسلام لم يكن ذلك متوفّراً إلاّ في مواسم الحجّ الأكبر، وهذا الاختلاط و"التّحرش" ترك أثراً أدبياً وشعرياً رائعاً، وهذا شاعر الغزل الرقيق عمر بن أبي ربيعة يقول: 
يقصد الناس للطّواف اكتساباً
وذنوبي مجموعة في الطواف.
أمّا الفقيه المشهور ابن أبي ذئب وقد نظر إلى عائشة بنت طلحة (وكانت من أجمل النساء العربيات) تطوف بالبيت، فقال لها: من أنت؟ فقالت: 
من اللّاء لم يحجُجن يبغين حسبةً
ولكن ليقتُلن البريئ المُغفّلا .
فقال لها: صان الله ذلك الوجه عن النار! فقيل له: أفتنتك أبا عبدالله؟ قال: لا، ولكن الحُسن مرحوم. وعندما قدم المُغنّي ابن جامع مكّة بخيرٍ كثير، فقال ابن عُيينة: علام تُعطيه الملوك هذه الأموال ويحبُونه هذا الحباء؟ قالوا يُغنّيهم؛ قال: ما يقول؟ فاندفع رجلٌ يحكيه وقال:
أطوفُ بالبيت فيمن يطوفُ 
وأرفعُ من مئزري المُسبل.
قال: أحسنت، هيه! فقال:
وأسجُدُ بالليل حتّى الصّبا 
ح أتلو من المُحكم المُنزل.
فقال: جزاهُ الله عن نفسه خيراً! هيه! 
عسى كاشف الكرب عن يوسفٍ 
يُسخّرُ لي ربّة المحمل.
فقال؛ آه! أمسك أمسك، قد علمتُ ما نحا الخبيث، اللهم لا تُسخّرها له.
وغالباً ما كان الشعراء يتغزّلون ببنات الخلفاء والأمراء والأشراف انطلاقاً من الحرم المكي ، كما حدّث الرواة عن محمد بن عبدالله بن نمير الثقفي، وكان يُشبّب بزينب بنت يوسف أُخت الحجاج،حيث يقول:
ولم تر عيني مثل سربٍ رأيتهُ
خرجن من التّنعيم مُعتمرات 
مررن بفجٍّ ثم رُحن عشيّةً 
يُلبّين للرحمن مُؤتجرات 
تضوّع مسكاً بطنُ نعمان إذ مشت 
به زينبٌ في نسوةٍ خفرات
 ولما رأت ركب النُّميريّ أعرضت
وكُنّ من ان يلقينه حذرات
أحلّ الذي فوق السموات عرشُه 
أوانس بالبطحاء مُعتمرات 
يُخبّئن أطراف البنان من التُّقى 
ويخرُجن وسط الليل مُعتجرات.
فلما ظفر به الحجاج، ووقف بين يديه قال: 
فداك أبي ضاقت بي الأرض رُحبها 
وإن كنتُ قد طوّفتُ كلّ مكان 
وإن كنتُ بالعنقاء أو بتُخومها 
ظننتُك إلاّ أن يصُدّ تراني
فقال الحجاج: لا عليك، فوالله إن قلت إلاّ خيراً! إنّما قلت هذا الشعر:
يُخبّئن أطراف البنان من التُّقى 
ويخرجن وسط الليل معتجرات. 
ولكن أخبرني عن قولك: 
ولمّا رأت ركب النميري أعرضت
وكُنّ من ان يلقينه حذرات 
في كم كُنت؟ قال: والله إن كنت على حمار هزيل، ومعي رفيق على أتانٍ مثله! فتبسّم الحجاج ولم يعرض له.
أمّا يزيد بن معاوية فقد قال لأبيه أنّ (الشاعر) عبدالرحمن بن حسّان يُشبّب بابنتك رملة ، قال: وماذا يقول فيها؟ قال، يقول:
هي بيضاء مثل لؤلؤة الغوا
ص صيغت من لؤلؤٍ مكنون 
قال معاوية: صدق! قال، ويقول:
وإذا نسبتها لم تجدها 
في ثناءٍ من المكارم دون 
قال: صدق أيضاً! قال، ويقول:
تجعل المسك واليتنجو
ج صلاءً لها على الكانون
قال: وصدق، قال، فإنّه يقول:
ثم خاصرتُها إلى القبّة الخضراء
نمشي في مرمرٍ مسنون 
قال كذب! قال، ويقول:
قُبّةٌ من مراجلٍ ضربوها
عند برد الشتاء في قيطون.
قال معاوية: ما في هذا شيء. قال يزيد: تبعث إليه من يأتيك برأسه، قال: يا بُني ، لو فعلتُ ذلك لكان أشدّ عليك؛ لأنّه يكون سبباً للخوض في ذكره، فيُكثر مُكثر ويزيدُ فيه زائد، اضرب عن هذا صفحاً، واطو دونه كشحا.
ومن قول عبيد الله بن قيس الرُّقيّات ،يُشبّب بعاتكة بنت يزيد ابن معاوية:
أعاتك يا بنت الخلائف عاتكا 
أنيلي فتىً أمسى بحبّك هالكا 
تبدّت وأتراباً لها فقتلنني 
كذلك يُقتلن الرجال كذلكا
يُقلّبن ألحاظاً لهنّ فواتراً
ويحملن ما فوق النّعال السّبائكا
إذا غفلت عنّا العيون التي نرى 
سلكن بنا حيث اشتهين المسالكا 
وقلن لنا لو نستطيع لزاركم
طبيبان منّا عالمان بدائكا
فهل من طبيبٍ بالعراق لعلّه 
يُداوي سقيماً هالكاً مُتهالكا .
فلم يعرض له يزيد، للّذي تقدّم من وصاية أبيه معاوية في رملة.
ثانياً: التحرش في زماننا الصاخب...
في زماننا التحرش يطال معظم نواحي الحياة، لتعقّد مناحي الاختلاط وموجباته، من السّكن إلى مقاعد الدراسة، إلى الوظائف العامة والخاصة، فضلاً عن نوادي الترفيه والرياضة والسباحة.ويتّخذ التحرش مظاهر العنف والابتزاز والتهديد والاهانة والمساومة واستغلال المواقع السلطوية والوظيفية، ممّا يُحتم إصدار تشريعات تحُدّ من مخاطر هذه الموبقات، علّها تساعد في رُقيّ الحياة المدنية بدل الحطّ من مكتسباتها التي لا تنفد ولا تنتهي.