يقول أحد أركان «14 آذار» في أوساطه: «يظلموننا كثيراً عندما ينتقدوننا على التنازلات التي نُقدّمها لمحور إيران- اﻷسد، منذ انخراطنا في التسوية الرئاسية حتى اليوم، وعلى سكوتنا عن سلاح «حزب الله» وقتاله في سوريا. فهل يعلم هؤﻻء أيّ ظرف بلغناه ودفعَنا إلى اعتماد هذا الخيار اﻻضطراري»؟
 

في المرحلة المقبلة، سيزداد منسوبُ الضغط الذي يمارسه «حزب الله» لدفع الحكومة اللبنانية بكاملها إلى اﻻنفتاح على نظام الرئيس بشّار اﻷسد.

وكانت إطلالة اﻷمين العام لـ«الحزب» السيد حسن نصرالله اﻷخيرة إثباتاً لهذا اﻻتجاه، بل هي حملت في طيّاتها تحذيراً للآخرين من مغبّة عدم الدخول في هذا الخيار.

وقد جرى إرفاق هذا التحذير برسائل واضحة تذكِّر الجميع بأنّ «الحزب» واﻷسد صانعان أساسيان للنصر على اﻹرهاب، وأنّ معالجة أيّ ملف مشترَك بين لبنان وسوريا لن تستقيم من دون شراكة مماثلة.

سبق لرئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع أن وضع مصيرَ الحكومة في الميزان، إذا أصرّ فريق «8 آذار» على دفع الجميع نحو اﻻنفتاح على اﻷسد. ولم يُصدِر هذا الفريق ردوداً عالية السقف على جعجع لضرورات مختلفة أبرزها أنّ صوت المعركة على «داعش» كان اﻷعلى، فتمّ تأجيل المشكلة إلى أن تسكت المدافع.

اليوم، يتمّ التحضير، داخل «8 آذار»، للذهاب بعيداً في هذه المسألة. ويتردّد أنّ اﻻتجاه هو التهديد الصريح بإعلان هذا الفريق استقالة وزرائه من الحكومة بهدف إسقاطها، إذا لم يتجاوب الوزراء اﻵخرون مع حتميّات اﻻنفتاح على اﻷسد. وفي معنى آخر، سيقولون لـ»14 آذار»: لا داعي لتخويفنا بمصير الحكومة. هي «آخر همّنا»!

في العمق، تدرك «8 آذار» أنّ الرئيس سعد الحريري لا يريد خسارة الحكومة والمكتسبات السياسية التي حقّقها بعد عودته من الخارج. وأما «القوات» التي ربما تبقى وحدها في ساحة الاعتراض داخل السلطة، فقد لا تستطيع تهديد مصير الحكومة برمّتها.

ولكن، في العمق أيضاً، يجدر التأكيد أنّ «حزب الله» لا يريد كذلك خسارة الحكومة. فهو مرتاح إليها تماماً ولن تتوافر له حكومة أفضل منها حالياً. لذلك، هو سيناور بالتلويح بمصير الحكومة، من دون المغامرة به واقعياً. وهو في أيّ حال يراهن على أنّ الملفات المطروحة ستدفع الرافضين إلى الرضوخ لمنطق الانفتاح على اﻷسد.

هل من ضمانة يملكها فريق «14 آذار» لفرملة هذه اﻻندفاعة اﻻنفتاحيّة التي يخشى ما ستقود إليه؟

داخلياً، لم يعد فريق «14 آذار» يمتلك ضمانات ذات شأن. لذلك، يعتمد الفريق على ضمانتين خارجيّتين: أميركية وسعودية. ويبدو مهماً السؤال: هل فعلاً حدثت متغيّرات في الموقفين الأميركي والسعودي في سوريا؟ فانهيار هاتين الضمانتين سيؤدّي إلى انهيار متاريس «14 آذار» الباقية تجاه اﻷسد.

أولاً، أميركياً: بلورت، حتى اﻵن، إدارة الرئيس دونالد ترامب سياستها في الملف السوري. وشرحت بعض ملامح هذه السياسة، في الربيع الفائت.

وهي تقوم على أربع مراحل:

1 - القضاء على «داعش».

2 - تثبيت المناطق اﻵمنة من خلال تشجيع اﻻتفاقات بين اﻷسد والقوى المعارِضة. وفي هذه المرحلة يتمّ التعاون مع اﻷسد لإقامة مناطق نفوذ شبيهة بالفدراليات، وتقوم على أساس طائفي (السنّة والعلويون) وعرقي (اﻷكراد).

3 - الفترة اﻻنتقالية التي سيكون على الأسد خلالها أن يخرج من السلطة، تحت طائلة فتح ملفات الحرب ضده دولياً. وكان لافتاً سحب واشنطن دعمها العسكري لقوى المعارضة السورية أخيراً.

4 - المرحلة النهائية للحلّ السياسي بالتنسيق مع موسكو.

ولكن يبدو أنّ هناك خلافاً أميركياً- روسياً على مصير اﻷسد. فموسكو لا ترغب في خروجه من السلطة في المطلق. لكنها تناقش اﻷميركيين حول اﻵتي: هل يغادر اﻷسد في الفترة اﻻنتقالية أم يبقى إلى المرحلة الرابعة إذ يشارك في صياغة الحلّ النهائي؟

ثانياً، سعودياً: تحدّث بعض اﻷوساط عن تغيّر محتمَل في النظرة السعودية إلى الملف السوري، برز في طريقة التعاطي الجديدة مع قوى المعارضة السورية. وكان لافتاً الموقف المنسوب إلى وزير الخارجية السعودية عادل الجبير، على لسان مصدر سوري معارض، والذي جرى نفيه، وفيه يقول للهيئة العليا للمفاوضات إنّ اﻷسد باقٍ.

في تحليل الموقف اﻷميركي، تبدو واشنطن اليوم في المرحلتين اﻷولى والثانية، أي القضاء على «داعش» وتثبيت مناطق «خفض التوتر». ولذلك، بديهيٌّ ألّا تسعى إلى إسقاط اﻷسد في هذه المرحلة، وعلى العكس، هي تقبل بالتعاون معه عملانياً ضد «داعش»، على رغم موقفها المعروف ضد التوسّع اﻹيراني في المنطقة. وهذه ورقة يمكن للأسد وحلفائه اللبنانيين أن يلعبوها لدفع لبنان إلى الخطوات الانفتاحية المطلوبة.

والملاحظة الدقيقة لسلوك اﻷميركيين إزاء عمليات ضرب «داعش» في العراق وسوريا وجرود عرسال ورأس بعلبك والقاع تؤكد هذا القبول «الهادئ والمستتر» بدور الأسد.

وأما الموقف السعودي ففيه ملامحُ تغيّر إزاء سوريا، ولكن ليس واضحاً إذا كان السعوديون باتوا أكثر انفتاحاً على اﻷسد، بما يشكل ضغطاً إضافياً على المعارضة السورية و»14 آذار» في لبنان للمضي في اﻻنفتاح على اﻷسد.

ويبدو خيار اﻻنفتاح اللبناني الرسمي على اﻷسد مرهوناً بما يبقى لـ«14 آذار» من أوراق قوة خارجية. فلا أحد يضمن عدم حصول مفاجآت جديدة في المواقف العربية والدولية من نظام اﻷسد. وتحت شعار «الواقعية السياسية»، الضرورات تبيح كل المحظورات!