أدركت داعش أن لا أمل لها في معركة جرود رأس بعلبك - القاع وعرسال، لأنّ هناك قراراً دولياً وإقليمياً بالاستغناء عن خدماتها، في لبنان وسوريا والعراق وسواها.
 

وبناءً على هذا المعطى، بدأت تتخبَّط في المواجهة: على الحدود اللبنانية - السورية كما في آخر بقعة يمكنها التحرّك فيها، أي عين الحلوة.هناك معطيات تؤكد صحّة المعلومات المتداوَلة عن تشرذم كبير في صفوف "داعش" يمنعها من اتّخاذ قرار موحَّد تجاه المواجهة القاتلة التي تخوضها ضد الجيش اللبناني في الجرود، لجهة إعلان الهزيمة والاستسلام أو استكمال القتال حتى الرمق اﻷخير… إذا بقيت دروبُ الفرار مقفلةً أمامها من كل الجهات.

ونماذج جلاء "داعش" المماثلة، عن مناطق سورية وعراقية، شهدت ارتباكاً كبيراً في صفوف التنظيم اﻹرهابي بين الخيارَين. وفي النهاية، تشرذمت صفوف "الداعشيين" بين الفرار واﻻستسلام والموت.

ومن أصل العدد المقدَّر لعناصر "داعش" في الجرود، أي نحو 600، هناك نسبة وازنة من الذين يفكّرون في اﻻستسلام للجيش وفق الطريقة التي جرى فيها استسلام "النصرة" لـ"حزب الله" في جرود عرسال، أو استسلام "الداعشيين" لـ"الحزب" في مطلع المواجهة مع الجيش اللبناني.

لكنّ عناصرَ آخرين يمنعونهم ويصعّبون عليهم تحقيق هذه الأمنية. ومن المؤكد أنهم سيقبضون جيداً على أنفاسهم منعاً للفرار، تحت طائلة التصفية الجسدية، كما يحصل عادة داخل العصابات.

تدرك "داعش" أنها اليوم تواجه أزمة مصيرٍ في لبنان، لا مجرّد معركة عادية. فالجيش اللبناني لم يقرِّر إطلاق هذه الحرب إلّا بتغطية داخلية وإقليمية ودولية شاملة، وبهدف إقتلاع التنظيم اﻹرهابي من جذوره. إنها تحديداً حصة الجيش اللبناني في الخطة الإقليمية - الدولية الرامية إلى القضاء على "داعش".

وهذا اﻷمر يدركه التنظيم اﻹرهابي جيداً ويبني الحسابات على أساسه. فمعركته اليوم هي اﻷخيرة في لبنان، كما أنّ معاركه في العراق وسوريا هي أيضاً معارك الفصل اﻷخير. وتدرك "داعش" وأخواتها أنّ مهمّتها انتهت، كما انتهت عبر التاريخ مهمات أيّ بندقية ولدت كائناً ممسوخاً وعاشت تؤجِّر نفسها مرتزقة.

ويقال إنّ الفضائح التي سيكشفها التاريخ عن "داعش" والقوى التي تقاطعت لتربيتها وتحويلها وحشاً بشرياً أعمى، كل بدوره، ستقشعرّ لها اﻷبدان أكثر ممّا تقشعرّ لشراسة الجرائم التي ارتكبتها.

إذاً، هذا الجوّ الإنهزامي هو الذي تعيشه "داعش" اليوم. ومن خلاله يمكن النظر إلى ما أرادته من التفجير الذي تفتعله اليوم في عين الحلوة. فهناك ثلاثة أهداف سعت "داعش" إلى تحقيقها في المخيم:

1 - محاولة لإلهاء الجيش اللبناني عن حربه في الجرود وتشتيت قوّته بإشعال بؤرة داخلية.

2 - تعميم القتال على كل بقعة المخيّم بحيث يصبح المدنيّون فيه متاريسَ بشرية تحتمي بها "داعش"، ما يضطر القوى الفلسطينية إلى التحرّك عربياً ودولياً لوقف القتال والمطالبة بتأجيل المعركة ضد اﻹرهاب في المخيم والجرود معاً.

3 - إظهار أنّ استقرار عين الحلوة هو ورقة في يد "داعش" يمكن أن تستخدمها في أيّ مساومة محتملة مع الجانب اللبناني في معارك الجرود. واحتمال إيجاد مخارج لعشرات الأسماء والرموز، من فلسطينيين ولبنانيين مطلوبين للعدالة.

لعبت "داعش" على التباينات الفلسطينية - الفلسطينية في المخيم، وخصوصاً بين حركة "فتح" و"فتح- الحركة اﻹصلاحية" والقوى اﻹسلامية الشريكة في استقرار المخيم، وأبرزها "حماس". وراهنت على أنّ إسلاميّي المخيم لن يسمحوا بهزيمة قوى إسلامية متطرّفة أمام "فتح" والفصائل اﻷخرى.

وبالفعل، نشأ بعض من التباين بين حركتي "فتح" و"حماس" حول طريقة المعالجة أو حدّة المواجهة مع اﻹسلاميين. لكنّ "فتح" بدت مصرّة على التقدّم في زواريب حيّ الطيري، معقل بلال بدر، مهما كلف اﻷمر، وحسم المعركة. وربما تطمح "حماس" إلى دور في تسوية محتملة.

لكنّ "فتح" ومعها قوى أخرى في القوة المشترَكة ماضية في إنهاء مواقع بدر وبلال العرقوب وشادي المولوي في أحياء الطيري والصفصاف والمنشية ورأس اﻷحمر أبعد من عين الحلوة. ولا يمكن "حماس" إلّا أن تكون جزءاً من هذا اﻻتجاه، ﻷنّ القرار بتصفية اﻹرهاب متّخذٌ على مستوى إقليمي- دولي.

لقد فشلت "داعش" في تحقيق أيٍّ من أهدافها الثلاثة. ومن أصل نحو 250 عنصراً مسلّحاً محسوبين على "داعش" والقوى الرديفة لها، لم يتحرّك سوى 60 مسلحاً في المعركة الجارية مع "فتح". وأما استفزاز الجيش اللبناني على مشارف المخيم، حيث تمّ استهداف الجدار اﻻسمنتي الذي يبنيه، فقد تبيّن أنه محاولة عقيمة، وقامت "فتح" بدورٍ وقائيّ في هذا المجال.

وتعيش القوى المحسوبة على "داعش" وأخواتها داخل المخيم حالات توتر وإرباك شبيهة بتلك التي يعيشها عناصر "داعش" في الجرود. فهناك كوادر تطمح إلى الفرار، لكنّ الجيش يسدّ عليها المنافذ، فيما أخرى تأمل في اﻻستسلام بأقل اﻷضرار وأخرى لها مصلحة في القتال ﻷنها تدرك مصيرها في أيّ حال.

وقد سارعت "فتح" إلى منع اﻹرهابيين من التمدّد خارج أحيائهم إلى سائر اﻷحياء في المخيم، ما يُنذر بكارثة. وهكذا ازداد تخبّط هؤﻻء وارتباكهم.

ومن دون أيّ شك، وخلال المعركة الدائرة بين الجيش واﻹرهاببين في الجرود، أو بعدها، سيتمّ اقتلاعُ اﻹرهابيين من عين الحلوة أيضاً، ولكن، بأدوات فلسطينية.

إذ ليس منطقياً أن يقوم لبنان بمهمة مكلفة في عين الحلوة، يقتلع فيها الحالات الشاذة، ثمّ ينسحب تاركاً أمن المخيم للآخرين، على أرض يُفترض أنها خاضعة للسيادة اللبنانية. واﻷحرى أن يكون له اﻷمن كاملاً في المخيم… إذا كانت هذه الفكرة قد نضجت لدى المسؤولين الفلسطينيين.

في عين الحلوة، مخلفات "داعش" ستزول في موازاة زوال "داعش" على الحدود اللبنانية - السورية. وبعدها سيكون لبنان نظيفاً تماماً من البؤر اﻹرهابية.

فهل تستفيد القوى السياسية اللبنانية والفلسطينية من المعطيات الجديدة ﻹنجاز تفاهمٍ تاريخيّ يعيد اﻷمن في المخيم إلى أصحابه، أي إلى السيادة اللبنانية، منعاً لكوابيس مقبلة؟