”علينا أن نكون أقوياء“ كانت الجملة المفتاحية في خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في الذكرى السنوية لانتهاء حرب تموز. لكن لماذا يحض نصر الله على القوة في زمن يتمتع فيه حزبه بنفوذ سياسي غير مسبوق، محلياً وإقليمياً؟
إنها العقوبات الأميركية المرتقبة. بيد أن تقويم الحزب لها مختلف جذرياً عمّا عاد به رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وقبله الوفد النيابي والمصرفي من واشنطن. إنها قادمة ووشيكة ومرتبطة بزيادة نفوذ ”حزب الله“ وإيران في لبنان وسوريا، وتماهي مؤسسات الدولة اللبنانية معه.
لكن موقف نصر الله كان دفاعياً وقلقاً رغم مراكمة الانتصارات العسكرية. بحسب الأمين العام، فإن ”الاسرائيلي يراهن على ضغوط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الشعب اللبناني وعلى الحكومة والأصدقاء الداعمين لحزب الله، وأي حدا بيحكي كلمة طيبة عن حزب الله سيواجهه بالضغط والتهديد“.
الخطة الأميركية، كما ذكر نصر الله، تشمل ”قانون العقوبات المالي“ الذي لن يكتفي بتوسيع قائمة أسماء المؤسسات والأشخاص المستهدفين، بل سيمنح الرئيس الأميركي سُلطة تعديلها وإضافة أسماء جديدة. وبما أن مستوى الاستيعاب لدى ترامب صفريّ، فالأرجح أن يتولى مهمة تعزيز العقوبات صُهره المُدلل جاريد كوشنر، المبعوث الرئاسي الحالي لعملية السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين. ولفهم توجهات الأخير، ما علينا سوى العودة الى تقارير أميركية تحدثت عن تبني كوشنير في جولته الأخيرة بالمنطقة، مواقف رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتوبيخه الرئيس الفلسطيني محمود عباس. في حال حصل كوشنر على تنازلات اسرائيلية هزيلة وشكلية في عملية السلام، فإن تل أبيب قد تطلب في المقابل تشديداً للعقوبات على ايران وحزب الله، وهذا سيُصبح في متناول اليد من دون العودة للكونغرس.
لبنانياً، يخشى القطاع الخاص، وتحديداً المالي، من تحوله إلى طرف غير مرغوب التعامل معه في السوق العالمية نتيجة العقوبات. وهذا الخوف صار هاجساً ملازماً للقطاع المالي. مسؤول في المصرف المركزي طلب إخفاء اسمه عندما صرّح لمجلة اقتصادية أخيراً بأن هناك مخاوف من وقف المؤسسات المالية التعامل مع نظيراتها اللبنانية لتفادي أي مشكلات مع الحكومة الأميركية. مسؤولون أوروبيون معنيون بالملف اللبناني يتحدثون عن أثر العقوبات، وكأنها حصلت. ومشهد عملية حزب الله في عرسال كان صادماً حتى للأوروبيين. البريطانيون يهمسون عن امكانية توقف الدعم للجيش اللبناني إذا لم يُنجز شيء ضد تنظيم ”داعش“ في رأس بعلبك. والأميركيون متجهون أيضاً لمثل هذا الخيار. 
لبنان مُهدد بحصار اقتصادي أميركي لا طاقة له على تحمله. ونصر الله، بصفته اللاعب السياسي الأول على الساحة اللبنانية، أماط اللثام في خطابه مساء أمس عن 3 معالم للمرحلة المقبلة. أولاً، وفي وجه العقوبات المالية الأميركية، فإن ”المطلوب عدم الخضوع، وأنا أقول أن الادارة الاميركية لن تستطيع بكل وسائلها أن تمس من قوة المقاومة وعزمها ومن تعاظم قوتها في لبنان“. 
ولكن هذه الاستراتيجية ليست دفاعية فحسب، بل تشمل رصّاً للصفوف الداخلية درءاً لعدم نشوء حالة رفض وطنية لجر البلاد الى مواجهة مع دولة عظمى تُمسك بمفاصل الاقتصاد العالمي. لكن كيف يمنع الحزب ذلك؟ في خطاب أمس، مؤشر لعودة خطاب التخوين السائد إبان حملات الاغتيال، سيما عندما ”تمنى“ الأمين العام ألا يكون ”بعض اللبنانيين تحت الطاولة شركاء في حملة التهويل هذه“. وهذا الخطاب ليس ببعيد عن تهديدات بالقتل والاعدام حملتها افتتاحيتان متتاليتان لصحيفة يُمولها الحزب، ضد كل من يُخالفه الرأي.
إما أنت معنا، أو خائن تعمل بالسر مع أعدائنا. شدوا الأحزمة لحياة تتأرجح بين العقوبات والاغتيالات.

 

 

مهند الحاج علي