يسعى حزب الله لفرض عودة العلاقات السورية اللبنانية كأمر واقع، مستغلا هشاشة الوضع السياسي في لبنان وعدم قدرة القوى المناهضة لهذه العودة على الصمود كثيرا أمام ضغطه بالنظر لغلبته السياسية والعسكرية
 

صعد حزب الله من ضغوطه لإعادة تطبيع العلاقات بين بيروت ودمشق، في ظل رفض مطلق وحازم من قوى سياسية وازنة من حجم تيار المستقبل وحزب القوات للمسألة.

وانتقل الحزب من مربع الدعوة إلى مد الجسور مع النظام السوري تحت مبررات مختلفة، كضرورة التنسيق في ملف النازحين ومحاربة المتشددين، إلى محاولة فرض هذه المسألة كأمر واقع.

وتجلت محاولات الحزب المدعومة على ما يبدو من حركة أمل والتيار الوطني الحر في إعلان وزير الصناعة حسين الحاج حسن ووزير الزراعة غازي زعيتر عن زيارة إلى دمشق في 16 أغسطس الجاري بناء على دعوة من وزير الصناعة والتجارة السوري، تليها زيارة لوزير المالية علي حسن الخليل بدعوة من رئيس الحكومة السورية عماد خميس.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة لفرض سياسة الأمر الواقع تمت على ما يبدو بطلب إيراني خلال زيارة قام بها المساعد الخاص لرئيس مجلس الشورى الإسلامي في الشؤون الدولية حسين أمير عبداللهيان إلى لبنان بداية هذا الشهر والتي التقى خلالها بالأمين العام لحزب الله حسن نصرالله وأيضا برئيس حركة أمل نبيه بري.

ويقول مراقبون إن الزيارات المرتقبة للوزراء اللبنانيين إلى دمشق دون أن يكون هناك إجماع حكومي عليها ستشكل إحراجا كبيرا لرئيس الوزراء سعد الحريري الذي يحاول قيادة دفة الحكومة في بحر متلاطم من الخلافات بين فريقه غير المنسجم منذ البداية.

وكما كان متوقعا وبعد جلسة عاصفة لمجلس الوزراء الأربعاء أطل الأخير ببيان تلاه وزير الإعلام ملحم الرياشي أكد فيه المجلس أنه ينأى بنفسه عن محاور الخلاف وأن أي زيارة إلى سوريا لن تكون بقرار من الحكومة.

وسبق وزير الصناعة التابع لحزب الله الاجتماع بالتأكيد أن زيارته ذات صفة رسمية وليست شخصية، كما يحاول البعض الإيحاء.

وقال حسين الحاج حسن “هناك تجارة قائمة بين لبنان وسوريا، وهناك نقاط تحتاج إلى معالجة وهذه الزيارة جد طبيعية”.

وتقول أوساط سياسية لبنانية إن تصريحات الوزير اللبناني تكشف أن حزب الله ماض في سياساته لإعادة العلاقة بين لبنان والنظام السوري، بغض النظر عما يسببه ذلك من تعزيز للانقسام والتشرذم داخل الفريق الحكومي، حيث أن هذا آخر همه.


حسين الحاج حسن: أنا ذاهب إلى سوريا كوزير للصناعة وليس بصفتي الشخصية
وتعتبر هذه الأوساط أنه بصرف النظر عن بيان مجلس الوزراء فإن الزيارات المنتظرة هي بمثابة خطوة لعودة العلاقات الرسمية، وأن الأطراف المعارضة لها ليس في يدها الكثير لمجابهة هذا الوضع في ظل الغلبة السياسية والعسكرية لحزب الله في لبنان.

وفي خطوة وصفها البعض بأنها لا تعدو كونها محاولة تبرئة ذمة في ظل عدم قدرة عملية على التأثير، أكد رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أنه لن يقبل بأي تعاط رسمي بين الحكومة اللبنانية وما يسمى الحكومة السورية لأنها غير موجودة، قائلا “أي وزير يريد زيارة سوريا يستطيع بصفته الشخصية أن يبادر إلى ذلك ولكن ليس رسميا من قبل لبنان”.

وشدد جعجع في مؤتمر صحافي عقده للغرض في معراب الأربعاء على أن الحكومة تشكلت على أساس واضح وهو وضع الخلافات جانبا مقابل الاهتمام بقضايا الناس، إلا أن “هناك من خرق الاتفاق الذي تشكلت على أساسه الحكومة”، لافتا إلى أن وضع الحكومة اليوم غير مقبول.

وأبدى رئيس حزب القوات استغرابه لطرح بعض الوزراء قيامهم بزيارات رسمية إلى سوريا تحت ذريعة ضرورة أن يكون لبنان حاضرا في ملف إعمار سوريا، متسائلا “هل يمكن إعادة إعمار سوريا قبل الوصول إلى حل سياسي؟”، معتبرا أن ما حدث محاولة لإعطاء دفعة سياسية للنظام السوري ومثل هذه المحاولات تضر بلبنان وعلاقاته العربية والدولية.

وأشار إلى أن “هناك حكومات كتركيا والأردن وجدت حلولا لأزمة النازحين من دون التواصل مع النظام السوري”. وأضاف “البعض ينسى أن النازحين نزحوا هربا من نظام الأسد”، لافتا إلى أن “مشكلة النازحين لا يمكن أن تحل عن طريق بشار الأسد”.

وكان حزب الله استغل تعالي أصوات قوى مسيحية مثل التيار الوطني الحر، مطالبة بإعادة النازحين السوريين الذين جاوز عددهم المليون في لبنان، لبدء حملته لفرض التنسيق مع دمشق، حيث اعتبر الحزب أنه لا يمكن إنجاز هذه العودة عبر القفز على النظام الذي يسيطر اليوم على معظم المحافظات السورية.

وواصل الحزب الاستثمار في الوجع اللبناني من خلال الإشارة إلى أن لبنان في حاجة أيضا إلى دمشق في ما يخص قتال التنظيمات الجهادية على حدوده الشرقية، وهو ما تم فعلا في معركة عرسال حينما أوكل للواء عباس إبراهيم التنسيق مع النظام السوري لإخراج جبهة فتح الشام من جرود عرسال وترحيلها إلى محافظة إدلب (شمال غرب).

واليوم يدفع حزب الله باتجاه ضرورة تنسيق الجيش اللبناني مع القوات السورية في قتال داعش في جرود القاع وراس بعلبك، رغم إصرار رئيس الحكومة سعد الحريري على أن لا يكون لدمشق أي دور في ذلك، وهذا ما يشكك فيه البعض. وأكد جعجع “أن مهمة الجيش هي القيام بهجوم على داعش وتنظيف الجرود، عدا عن ذلك لا علاقة له بالداخل السوري”.

ويكاد يجمع المراقبون على أن رئيس الحكومة سعد الحريري والقوى المعارضة للانفتاح على دمشق مجددا غير قادرين على إيقاف هذا المسار الذي خطه حزب الله ويصر على السير فيه للتسويق إلى أن الأوضاع في سوريا تتجه للعودة إلى ما كانت عليه قبل 2011.

ويضيف هؤلاء أن الحزب يكاد يكون مطمئنا إلى أن أي طرف معارض لن يقدم على خيار الانسحاب من الحكومة بالنظر لوجود انتخابات تشريعية في الأفق، وهناك حسابات سياسية مضطرون للخضوع لها.