تبقى تحديات المملكة العربية السعودية في عصر ما بعد النفط مرهونة بكلمات الامير محمد بن سلمان الذي اكد بأن الفرص «اكبر بكثير من المشاكل». لذلك وحسب ما يبدو بدأت السعودية ومنذ سنة ما يسمى «جيل ما بعد النفط» لتنفيذ برنامج لتحويل اقتصاد المملكة للخروج من اعتماد مفرط على الواردات النفطية ورؤية واضحة لغاية العام ٢٠٣٠ في هذا التحول.
 

يمكن القول ان السعودية احرزت بعض التقدم سيما من ناحية الضرائب والاعانات لسد ثقب كبير في الميزانية وهي في طور بذل المزيد من الجهود لفتح المملكة للمستثمرين الاجانب وتطوير القطاعات الاقتصادية الاخرى ومراجعة الدعم المفرط للمواطنين من قبل الدولة.

لذلك قد يكون التحدي الاكبر هو جذب مزيد من الاستثمارات الاجنبية المباشرة سيما وان السعودية تعتبر واحدة من الدول ذات المستويات الادنى للاستثمار في العالم.

وفي مجال سد الفجوة بين الايرادات والنفقات نرى السعودية وللمرة الاولى استطاعت جلب ١٧،٥ مليار دولار في تشرين الاول الماضي ومن ثم ٩ مليارات اخرى عن طريق بيع سندات اسلامية منذ بضعة اشهر كذلك تحويل شركة ارامكو السعودية من شركة نفطية (احدى اهم الشركات في العالم) الى شركة صناعية.

كل ذلك ضمن رؤية شاملة لتحويل المملكة ضمن خطة شمولية تاريخية واقتصادية واجتماعية واسعة النطاق، سيما وان انخفاض اسعار النفط العام الماضي ساهم والى حد بعيد في تشكيل ضغوط كبيرة على ميزانيتها.

لذلك قد تكون الخطة وفي المطلق طويلة الاجل وتتضمن تغييرات جذرية وتستوجب التزامات صارمة لكي تستطيع المملكة الاقلاع جديًا في رحلة مصيرية هي مرحلة ما بعد النفط. كذلك تستوجب زيادة المشاركة السعودية في اليد العاملة وهو الشيء الضروري لتحقيق مستوى اعلى من الدخل للاسرة.

هكذا نرى انه، وبعد موجة الازدهار خلال العقد الماضي بسبب ارتفاع اسعار النفط، واجه اقتصاد الخليج نقطة انعطاف.

في تقرير لمؤسسة ماكينزي الدولية حول «السعودية ما بعد النفط: الاستثمار والتحول في الانتاجية» تبرز مناقشة مهمة حول وجود فرص مهمة للبلاد لتحويل اقتصادها فيصبح اكثر استدامة واقل اعتمادًا على النفط. ومن بين النتائج التي توصلت اليها هذه الدراسة امور هامة لا بد من ذكرها:

• ان انتعاش اسعار النفط في الفترة ما بين ٢٠٠٣ و ٢٠١٣ زاد الرخاء المتنامي في السعودية والتي اصبحت الرقم ١٩ كأكبر اقتصاد في العالم وتضاعف معها الناتج المحلي الاجمالي والدخل الاسري بنسبة ٧٥ بالمائة وفتحت مجالات العمل لعدد متزايد من النساء السعوديات وكذلك استحدثت الحكومة استثمارات ضخمة في مجالات الصحة والبنية التحتية.

• لم يعد في امكان السعودية الاعتماد على الايرادات النفطية والانفاق العام في ظل سوق طاقة متغيّر وتحوّل ديمغرافي سيزيد عدد السعوديين في سن العمل في حلول العام ٢٠٣٠ (نسبة المشاركة اليوم هي ٤١ بالمائة ونمو الانتاجية ٠.٨ بالمائة).

• زيادة الانتاجية قد تمكن السعودية من مضاعفة اجمالي الناتج القومي وخلق ٦ ملايين فرصة عمل جديدة في حلول العام ٢٠٣٠ وذلك يتطلب حوالي ٤ تريليون دولار توظيف في الاستثمار وفي قطاعات مهمة مثل قطاع التعدين والبتروكيماويات والتصنيع والسياحة والرعاية الصحية والقطاع المالي والتي يمكن ان تدر اكثر من ٦٠٪‏ زيادة في هذا النمو.

كل هذه امور تتطلب تحسين تنظيم الاعمال التجارية ومزيدًا من الانفتاح على المنافسة والتجارة والاستثمار، كذلك تتطلب تحسين كفاءة الانفاق ومصادر جديدة للايرادات بما في ذلك الضرائب من اجل تأمين استدامة هذه المصادر التمويلية، وتكون اكثر استدامة من الطفرات النفطية التي شهدتها الاسواق العالمية.

ومن المعروف ات التغيرات في سعر برميل النفط ادّت الى فجوات كبيرة في معظم اقتصادات الدول التي تعتمد على النفط مما يعني ان المنتجين العرب لم يُحسنوا استغلال فرصة ارتفاع اسعار النفط للقيام باصلاحات اقتصادية تخرج دولهم من غوغائية اسواق النفط واسعارها. وللعلم فإن العديد من هذه الدول اضطرت الى الغوص في الاحتياطات التي تراكمت منذ العام ٢٠٠٠ من اجل سد عجز موازناتها.

كذلك حاولت هذه الدول خفض الانفاق والغاء الاعلانات مما يعني تحديا كبيرا يواجه هذه الدول سيما ان ايرادات النفط تشكل اكثر من ٧٠ بالمائة من ايرادات حكوماتها، ويشكل الاجانب النسبة الاعلى في اليد العاملة.

استنادا الى دراسات لصندوق النقد الدولي، سيتباطأ النمو في المملكة وقد ينخفض الى نسبة ٠،٤ بالمائة مقارنة بنسبة ٢ بالمائة في العام ٢٠١٦. هذا التباطؤ في النمو وحسب تيموتي كالين، مساعد مدير صندوق النقد الدولي للشرق الاوسط، أمر متوقع، مع الاشارة الى ان السعودية مقارنة بدول نفطية اخرى هي في وضعية افضل.

هكذا نرى ان الحكومة السعودية تسعى جاهدة الى ايجاد وسائل لتحفيز الانتعاش وتسجيل ارامكو في البورصة في العام المقبل هو اساس في هذا الاطار.

وحسب المسؤولين السعوديين، سيؤمّن ذلك دخلًا اضافيًا بحوالي ٢ تريليون دولار، بينما يقول محللون مستقلون ان الرقم هو اقرب الى ١،٤ تريليون دولار وفي كلا الحالتين بيع ٥ بالماية فقط سوف يؤمّن حوالي ١٠٠ مليار دولار يمكن توظيفها في قطاعات اخرى اكثر انتاجية.

وحسب رئيس الابحاث في شركة الراجمي المصرفية، «ان الامر ليس فقط لخلق فرص عمل انما لتعزيز البيئة الانتاجية لا سيما وانه لدنيا قطاعات كثيرة غير منتجة».

يبقى اخيرًا ان الامور في حاجة الى مزيد من الاستثمار وجذب الشركات العالمية ولن يكون ذلك الا من خلال خصخصة قطاعات غير منتجة وجذب مزيد من الاستثمارات الاجنبية وتأمين مزيد من الاموال في الاجل القصير.

هذه المرحلة قد تكون دقيقة ليس فقط للسعودية بل ايضًا للدول المصدّرة للنفط سيما ان اسعاره متقلبة وأي زيادة في سعره قد تعيد الامور الى حيث بدأت وقد تتراجع الحكومات عن خططها من اجل تنويع الايرادات الامر الذي يستوجب حتمًا التزاما جديا وطوعيا وبرنامج عمل كفيلا باخراج دول الخليج خصوصا والدول المصدرة للنفط عموما من هذه الدوامة.