قضيّة الديون السيادية والتخلف عن سدادها ليسا بالأمر الجديد، فمنذ العهود التي اقترض فيها الملوك من أجل مغامراتهم التجارية إلى فشل الأرجنتين في السداد لدائنيها وتراجع اليونان والأرجنتين عن التزاماتهم، من الملفت القول أنّ دولاً كثيرة تعثّرت ولو لمرة واحدة على الأقل في تاريخها. والسؤال ماذا يحدث بالضبط عندما تتوقف البلدان عن دفع ما تدين به؟
 

عندما لا يسدّد بلد ديونه في الوقت المحدد يقال أنه ذهب الى «التقصير» وهو يعني عملياً الافلاس. وعادة تميل البلدان المتعثّرة في سداد ديونها الى إعادة الهيكلة بدلاً من مجرد رفض دفع أيّ شيء على الأطلاق والطريقة التي اتبعتها الأرجنتين في العام 2001 عندما عرضت أن تسدّد لدائنيها ثلث ما كانت تدين به أو اليونان عندما تعثرت في العام 2012 قد تكون احدى الوسائل لإعادة الهيكلة أو طلب المزيد من الوقت. وللعلم في العام 2015 تخلفت اليونان عن دفع ما يتوجب عليها انما لم تعلن افلاسها كون صندوق النقد الدولي وأوروبا معاً كانا الداعمَين لها وسمّيت الحالة «تخلّف عن الدفع» لا غير، والتخلّف عن الدفع مؤلم لاسيّما اذا كان غير متوقع، عندها سيتدافع المدّخرون والمستثمرون المحليون الذين يتوقعون انخفاضاً في قيمة العملة المحلية لسحب أموالهم من الحسابات المصرفية ونقلها الى الخارج.

 

لتجنّب هكذا عمليات، وبسبب الانخفاض الحادّ في قيمة العملة قد تغلق الحكومة البنوك وتفرض ضوابط على رأس المال. ومن الأهمية القول أنّه لا يوجد قانون دولي أو محكمة لتسوية حالات التخلف عن سداد الديون السيادية، وقد تكون المفاوضات حول التخلّف مكلفة لجميع الأطراف المعنية. علماً أنّ الحالات تختلف وتلقفها من قبل الحكومات أيضاً.

في العادة، يتدخل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي ويحدث إعادة تفاوض على شروط تخفيف الدين ولكن ضمن شروط، وغالباً ما تكون شروط صندوق النقد الدولي وكما عرفناها مع دول العالم قاسية محاولاً مساعدة الأنظمة الجديدة للخروج من هذا الوضع. لكنّ الوضع يختلف في حال الدول التي تستدين من الداخل بما يعني أنها رهينة القطاع المصرفي الذي بات هو أيضا يفاوض على شروط أحسن للمديونية. وقد يكون وضعنا اليوم شبيها الى حدّ بعيد بوضع أيسلندا، فمسؤولوها الذين، خوفاً من هروب رؤوس الأموال وهبوط الكرونة (العملة الوطنية) بشكل كبير، وضعوا قيوداً صارمة على تجارة العملات (على المرء أن يقدّم تذكرة طيران من أجل شراء العملات الأجنبية في أيسلندا). والسؤال ما هو دور البنك المركزي في كلّ هذا؟ وهل هذا التعميم على المصارف وبهذه القوة هو فقط للحفاظ على الدولار وقيمته؟ أم منعاً من الانهيار الكامل، علما أنه وبحسب المعلومات الواردة، يملك البنك المركزي من الاحتياطي الأجنبي ما يكفي للجم أيّ تدهور. وهل هذا صحيح لاسيّما أنّ موديز وفي آخر تقرير لها قالت أن البنك المركزي في لبنان لا يملك من الاحتياطي سوى 6 إلى 10 مليارات دولار للحفاظ على الصلة ومنع القطاع المالي من الانهيار (خدمة الدين للعام 2020 تبلغ 5 مليارات دولار علماً أنّ استحقاقها آتٍ في تشرين الثاني المقبل ويبلغ 1.5 مليار دولار).

 

كلها أمور تستدعي الموضوعية في التعاطي، وقد لا يكفي هذا التعميم على المصارف بعدم السماح باستخدام الدولار في التداول وعدم سحب أكثر من قيمة محددة منه، وقد يكون ذلك لمنع التلاعب به من قبل الصيارفة وفي السوق السوداء، علماً أن المصارف ما زالت تحافظ على سعر الصرف ضمن المعقول.

لذلك قد لا يكون للبنك المركزي أيّ دور فاعل يلعبه سوى أصدار هكذا تعميمات لئلّا ينهار سعر الصرف.

 

والأهمّ من هذا كله، ما العمل لتفادي الانهيار المالي والنقدي؟ وهل وصلنا الى نقطة اللاعودة وهل أصبح دور البنك المركزي صورياً غير فاعل؟ أمور كثيرة يتساءل عنها المواطنون. المصداقية معدومة وجدية الاصلاحات رهن بتوافق المنتفعين، وأية خطة اصلاحية يجب أن تنفذ، فكل طرف لديه ورقته وخطته، فضلاً عن خطة ماكنزي التي على ما يبدو وضعت في الأدراج. فالأصلاحات ضرورية، بل يجب أن تكون فورية، والخطط الإصلاحية الخمسية لتصفير العجز قد يكون فات أوانها. والأكيد أنّه يلزمنا خطة طوارىء تبدأ البارحة دون استئذان أيّ طرف، وتكون حيادية يضعها خبراء واستشاريون يضطر معها رئيس الجمهورية الى اجراء تغيير ضروري في حكومته والتي ولغاية الآن لم تفعل الكثير لا بل لم تقم بأيّ عمل يستحق الذكر. والمنطق يقول أنه لا توافق في الاصلاح أنها عملية جذرية لا تستأذن أحداً، وعليه، يجب المضي بها دون موافقتهم، وينبغي تشكيل حكومة اختصاصيين لأنها قد تكون فاعلة، لاسيّما أنها ستشمل جميع الأمور من ضرائب واصلاح وخصخصة وغيرها من الأمور الواجب معالجتها بشكل جذري.

 

قد تكون هذه لحظة الحساب وقد تكون الأرقام غير جدية ولكن قد تكون بلومبرغ وموديز مختلفتين بهذا القدر حول كميات احتياطي البنك المركزي بما يثير الريبة. بلومبرغ تتحدث عن 38 ملياراً وموديز عن احتياطي بين 6 و 10 مليارات والفارق كبير ويغير مسار اللعبة ألا أنه الأكيد أن البنك المركزي استخدم وخلال السنين الماضية بعضاً من احتياطه (لا نعرف قدره و لماذا) في عمليات هندسة مالية جديدة و قد يكون الاكتتاب باليوروبوند وسيلة أخرى للاستدانة وبفوائد مرتفعة، وقد نجد هناك من يشتري بهذه الأسعار علما أنها مجازفة وخطيرة.

 

قد يكون الأهم من هذا كله تقريرات نمو الودائع في أيار الماضي والتي جاءت سلبية للمرة الأولى ومنذ عقود. كذلك وعود المساعدة من السعودية وقطر، والتي ساعدت لبنان لمنع وقوع المحظور في العقود الماضية، لم تتحقق على الرغم من أن المحادثات ما زالت مستمرة.

 

تأكيدات سلامة لـ«بلومبرغ» الشهر الماضي أن احتياطات لبنان جيدة وأن لبنان ليس لديه نية للتخلي عن تثبيت سعر الصرف غير كافية لأعادة الثقة في ظلّ ما يجري في المصارف ومع الصيارفة والإضرابات التي تشلّ الاقتصاد. لهذا يبقى القول أن الصورة قاتمة وتستدعي التصرّف السريع وإعلان حالة طوارىء اقتصادية والأكيد أن الخيارات باتت قليلة والوقت ليس عاملاً مساعداً.