تظلل معركة جرود عرسال بين «حزب الله» ومسلحي «جبهة النصرة» (فتح الشام) ومنظمات سورية مسلحة أخرى انطباعات كثيرة على الصعيد اللبناني الداخلي ولدى المتابعين للأبعاد الخارجية لهدف التخلص من وجود هؤلاء المسلحين في جرود متداخلة الحدود بين لبنان وسورية في منطقة القلمون السورية.

ومثل أي أمر متصل بالحرب الدائرة في سورية، يخضع الموقف اللبناني من هذه المعركة للانقسام الداخلي إزاء الحرب السورية واشتراك «حزب الله» فيها، في ظل اتفاق الفرقاء المعنيين بالمعادلة الحاكمة على تحييد المواضيع الخلافية، لأن هدف التسويات التي أنتجت هذه المعادلة ضمان الاستقرار وعدم انجرار لبنان إلى الصراع الدائر في المنطقة وتحديداً في سورية، خصوصاً أنه أخذ بعداً يتجاوز قدرة التركيبة اللبنانية على الاحتمال، في ظل تقاسم النفوذ الدولي والإقليمي بين الدول المنخرطة في الحرب السورية والمواجهات الدائرة في دول أخرى.

فهناك فريق لبناني هو المنتمي تقليدياً إلى قوى 8 آذار وحلفائه، يؤيد المعركة التي يخوضها الحزب، بحجة أن هدفها إنهاء الوجود الإرهابي على أراض لبنانية، وأن الجيش يجب أن ينسق مع الحزب لهذا الهدف، ويشمل هذا الفريق بالطبع «التيار الوطني الحر» الحليف لـ «حزب الله».

وهناك فريق ينتمي إلى قوى 14 آذار، يرى أن أهداف المعركة إقليمية تتجاوز محاربة الإرهاب إلى دخول الحزب كأداة إيرانية في إطار الصراع على النفوذ والسيطرة في الملعب السوري، أو لتقديم خدمة للنظام السوري في إطار مساعدته على أن يكون له منطقة نفوذ تثبت وجوده في الحلول المطروحة بين القوى الدولية، على رغم أن بعض هذا الفريق ليس ضد التخلص من مجموعات إرهابية على الحدود.

إلا أوساطاً لبنانية أخرى تعتقد أنه مع صحة البعد الخارجي لخوض الحزب المعركة، فإن ميزان القوى الداخلي والإقليمي لمصلحته، ومن الطبيعي أن يجعل التوقيت الإقليمي لإطلاقها من جانب الحزب وإيران، من مؤسسات الدولة اللبنانية السياسية والأمنية ملحقة بقراره الميداني والسياسي، لأن أيًا ممن لا يوافقون على أهدافه الإقليمية لا يستطيع رفض محاربته الإرهاب، خصوصاً أن «النصرة» و «داعش» صنفتهما الأمم المتحدة إرهابيين.

وفي اعتقاد هذه الأوساط أن الحزب سيلجأ إلى التوظيف الداخلي للمعركة بهذا الشكل أو ذاك على رغم وظيفتها الإقليمية أساسًا. وقد ينجح في ذلك إذا أدت هذه المعارك إلى احتمال تحرير العسكريين اللبنانيين التسعة المحتجزين لدى «داعش». وإذ يطرح البعض هذه الإمكانية من دون الاستناد إلى معلومات دقيقة، فإنه يرى أن هذا قد يكون مفيداً لمصلحة الجيش اللبناني أيضاً بحيث لا يعود بيد المحتجين على تنسيقه مع الحزب أي حجة.

 

الأبعاد الإقليمية

وفي ما يخص الأبعاد الإقليمية للمعركة تتعدد التفسيرات لتوقيت المعركة كالآتي:

- إن إيران قررت الرد على إبعادها عن الاتفاق الأميركي الروسي نتيجة القمة الأميركية الروسية في هامبورغ بإقامة منطقة التهدئة في جنوب غربي سورية، والتي تمت بالاتفاق مع الأردن وأخذت في الاعتبار مصالح إسرائيل بإبعاد الميليشيات الإيرانية عن المناطق القريبة من الجولان السوري المحتل، بأن تواصل سيطرتها على المنطقة الواقعة شمال غربي دمشق، عبر الزبداني ومنطقة القلمون الذي تدور عملية الحزب في الجزء الشمالي منها. وهذا يجعل العاصمة السورية التي تتواجد فيها قوات إيرانية وامتداداتها نحو القلمون، ومنه نحو الطرق المؤدية إلى حمص... وصولاً إلى الساحل السوري، تحت سيطرتها وسيطرة النظام كاملة، مقابل تقاسم مناطق، حيث هناك مناطق سيطرة أميركية كردية في بعض الشمال ومناطق سيطرة تركية وروسية في مناطق شمالية أخرى ومنطقة السيطرة الروسية الإيرانية في الساحل وبعض الشرق.

- إن الجانب الإيراني تعاطى مع إبعاده عن المنطقة الجنوبية كأمر واقع وسلم بها، لكنه استغل الظرف المناسب لتنظيف منطقة القلمون كامتداد لنفوذه من دمشق، في وقت لا يبدو أن هناك اعتراضاً أميركياً على المعركة التي أطلقها في جرود عرسال طالما أن نتيجتها التخلص من المجموعات الإرهابية فيها.

- لاحظ بعض الأوساط السورية أن إخراج «النصرة» و «سرايا أهل الشام» من الجهتين اللبنانية والسورية في القلمون وجرود عرسال تزامن مع اشتباكات بين فصائل معارضة وبين «النصرة» في مناطق سورية أخرى (الغوطة الشرقية وإدلب وحماة) خلال الأسبوعين الماضيين. ويصنف هؤلاء هذه الاشتباكات في إطار الأزمة الخليجية مع قطر، لأن بعض «النصرة» و «سرايا أهل الشام» هم على صلة بقطر، بحيث يستنتج هؤلاء أن هناك نية للتخلص من مواقع نفوذ قطرية في الميدان السوري، نظراً إلى تعارض الأهداف بين الدوحة وبين الدول الخليجية والعربية التي هي على خلاف معها. وتقول هذه الأوساط السورية إن التدقيق في الاتفاقات التي تحصل تارة تحت عنوان مصالحات وأخرى بعنوان وقف النار تستثني فصائل تصنّف على أن لها علاقة مع قطر. وتلخّص ما يجري بالقول إن هناك ما يشبه «تنظيف مناطق النفوذ» ويشهد الميدان تصفيات. ولا يستبعد بعض السوريين المتابعين للتعقيدات في الميدان السوري أن تتبع معركة جرود عرسال مصالحات على غرار تلك التي جرت في مناطق أخرى سابقاً، تؤدي إلى تهدئة يستفيد منها النظام.

 

الرسالة الكويتية

وبصرف النظر عن صحة أو دقة الأبعاد الإقليمية لما يجري في جرود عرسال، فإن مصادر لبنانية متعددة تلاحظ أن ما يحصل يفرض على المسؤولين اللبنانيين التصرف بدقة في هذه المرحلة، من دون أن يغيب عن بالها أن التطورات تزيد من إحراجهم حيال سلوك «حزب الله» الإقليمي. وأبرز الإحراجات الجديدة الرسالة التي وجهتها الكويت إلى الحكومة اللبنانية مطالبة إياها بإفادتها إزاء طلبها ردع تصرفات «حزب الله» حيال أمنها واستقرارها نتيجة الإثباتات التي توصلت إليها محكمة التمييز الكويتية عن تورط الحزب في تمويل وتدريب وتقديم الأسلحة (في الأراضي اللبنانية) لخلية «العبدلي» التي كانت تنوي تنفيذ عمليات في الكويت بطلب إيراني. وعلمت «الحياة» أن السفير الكويتي في بيروت حين سلم الرسالة إلى وزير الخارجية جبران باسيل لم يحصل على جواب واضح منه. واكتفى باسيل بالحديث عن الحرص على العلاقات الجيدة مع الكويت وعلى أمنها... وعلمت «الحياة» أن الجانب الكويتي أوضح للجانب اللبناني أن الرسالة ليست مجرد عمل روتيني أو رفعاً للعتب، وأن المسؤولين الكويتيين ينتظرون جوابًا عملياً ورسمياً واضحاً. وهو ما حمل باسيل على القول إنه سيتشاور مع رئيسي الجمهورية العماد ميشال عون والحكومة سعد الحريري في هذا الشأن. كما علمت «الحياة» أن الحريري الذي كان التقى السفير القناعي في هذا الصدد، شدّد على تعاطفه مع الكويت وعلى أهمية العلاقة معها. ومع شحّ المعلومات في شأن ما جرى خلال اللقاء تردّد أن الجانب الكويتي دعا إلى التعاطي بجدية مع الأمر وعدم إهمال الرسالة التي وجهت إلى الحكومة اللبنانية.