لم يعد مهمّاً طرح السؤال: هل «جبهة النصرة» تنظيم إرهابي أو هي أحد فصائل المعارضة السورية؟ فالواضح أنّ هذه المعارضة، بكلّ مكوّناتها، على وشك انتهاء دورها القتالي، فيما تتولّى الحديث بلسانها القوى الإقليمية والدولية الراعية لها، والباحثة عن موقع نفوذ لها على الخريطة السورية المتشققة.
 

لا يمكن النظر إلى عملية عرسال من زاوية واحدة، أي بصفتها جزءاً من المخطط المتكامل للقضاء على الإرهاب في الشرق اﻷوسط. فـ»جبهة النصرة» تتقاطع فيها مواصفات التنظيم اﻹرهابي والجبهة المعارضة للأسد.

وحتى اﻷمس القريب، كان هذا اﻹشكال عقدة أساسية في مفاوضات جنيف وأستانا. وتتعاطى المعارضة السورية وداعموها اﻹقليميون مع «النصرة» بصفتها طليعة القوى المقاتلة للنظام. وهي القوة اﻷولى في المناطق الشمالية المحاذية لتركيا والجنوب المحاذي للأردن.

الواضح أن ما يجري في سوريا تحت عنوان «ضرب اﻹرهاب» يستهدف أيضاً ترتيب الساحات السورية وفقاً للتوافقات الدولية - اﻹقليمية، خصوصاً بعد اجتماع الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين. والسياق الذي تقع فيه معركة عرسال سوري في الدرجة اﻷولى، لكنه سينعكس بالتأكيد على لبنان.

منذ اللحظة اﻷولى، كانت القوى التي تقاتل نظام اﻷسد متشرذمة عسكرياً وسياسياً، وفقاً للمصالح والولاءات الخارجية. ولذلك، لم تستطع يوماً أن تنتصر على اﻷسد الذي استطاع اختراق بعضها واستيعابه (ما سمّي المعارضة المعتدلة). ويعتقد كثيرون أنه أيضاً خرق «داعش» لاستخدامها ذريعة في عنوان مواجهة اﻹرهاب.

اليوم، تبدو كل القوى العسكرية العاملة في سوريا عارية من الدعم وعاجزة، باستثناء اﻷسد وحلفائه. واﻻنقسام السعودي - القطري سدَّد ضربة قاتلة للقوى المعارضة للأسد. فقد سحب الجميع يده منها فيما أوقفت الولايات المتحدة برنامج دعمها السري لهذه القوى.

ومن الواضح أن عملية عرسال، التي ينفذها عملياً جيش اﻷسد و«حزب الله»، في منطقة تتداخل فيها الجغرافيا بين لبنان وسوريا، تحظى بغطاء دولي - إقليمي كامل، بل بمشاركةٍ مباشرة لبعض القوى وغير مباشرة لقوى أخرى.

التفاهم الإقليمي - الدولي يقضي بتوزيع سوريا مناطق نفوذ. وهذا يعني إنهاء التنظيمات اﻹرهابية التي تمّ خلقها في شكل غامض لغايات معينة خلال الحرب. كذلك يعني إنهاء الدور القتالي للفصائل والجماعات المعارضة. ويبقى دور للأسد في منطقة نفوذه، بدعم روسي وإيراني. لكن القوى الدولية تريد إبقاء منطقة اﻷسد تحت السيطرة، بحيث لا يُسمَح ﻹيران بالجسر الذي تريد بناءه من بغداد فدمشق إلى بيروت.

إذاً، مشهد عرسال مدروس تماماً، ومسارُه محدد، وكذلك النتائج. والقوى الدولية تمنح الضوء اﻷخضر لجيش اﻷسد بقصف مواقع في داخل الحدود اللبنانية، في معادلة مشابهة للضوء اﻷخضر الممنوح لإسرائيل كي تنفذ عمليات مشابهة في لبنان أو سوريا أو سواهما، أي ضمن ضوابط موضعية محددة الأهداف ومحصورة في الزمان والمكان. وفي المبدأ، ليس مسموحاًَ للأسد بأن يكون له دور خارج حدود منطقة النفوذ التي سيتولاها.
ولكن، ماذا عن المفاعيل اللبنانية لحرب عرسال؟

المتابعون يقولون: لا يبذل «حزب الله» هذا المقدار من التضحيات مجاناً. فما من جيش في العالم يدفع بأفراده ليقدموا دماءهم عبثاً، وخارج اﻷرض التي تستأهل تقديم التضحيات. وبالنسبة إلى «الحزب»، المشاركة في القتال في سوريا كانت ضمن هذا المفهوم، وطبعاً عملية عرسال.

وأياً يكن الوقت الذي ستستغرقه المعركة، فهي ستنتهي بهزيمة اﻹرهابيين وبتكريس منتصرَيْن لبنانيين هما:

1- الجيش الذي أثبت مرة أخرى أنه جدير بمسؤولياته والتحديات الوطنية.

2- «حزب الله» الذي كرّس نفسه محلياً وإقليمياً ودولياً شريكاً في محاربة اﻹرهاب. وهو تالياً، وبوساطة عون والحريري، سيحظى بأسباب تخفيفية في أي عقوبات ترغب الولايات المتحدة في فرضها، وسيطالب بأن يكون كبير الشركاء في صناعة القرار السياسي.

لذلك، الجميع يتحسّب اليوم للحظة التي ستنتهي فيها معركة عرسال. فالداعمون للشرعية يريدون أن تكرس النتائج دور الجيش، فيبسط سلطته وحده في كل لبنان، ويقال لـ»الحزب»: «شكراً. لقد حققتَ إنجازاً وطنياً في ضرب اﻹرهاب. واﻵن عليك أن تستريح!».

يشبه هذا الكلام ما يقال لـ«الحزب» عن مقاومته ﻹسرائيل: شكراً لك، ونقدر شهداءك، ولكن آن اﻷوان لتنتهي المقاومة. فالجيش يكفي لأداء الواجب.

طبعاً، هذا الكلام يتوقعه «حزب الله»، بل يسمعه اليوم، خلال المعركة. وهو يتحسّب للتصدي ﻷي مطلب من هذا النوع. فحجم التضحيات التي قدّمها ويقدمها في سوريا ولبنان، والتي يعتبرها تضحيات وطنية، تمنعه من الموافقة على أي مطالبة بإخلاء الساحة.

لذلك، هناك مَن يسأل: هل يقوم «الحزب» بتنفيذ عملية عرسال، بالتعاون مع اﻷسد، وفق روزنامة وبرمجة معينة، تعطِّل أي مطالبة لاحقة له بإخلاء الساحة؟

في عبارة أخرى، ماذا لو طرأت على المعركة تعقيدات معينة، كأن تدخل عناصر «النصرة» إلى مخيمات النازحين السوريين والمدنيين اللبنانيين في عرسال، ويدور القتال هناك؟

في المبدأ، التوافقات الدولية - اﻹقليمية تمنع سيناريوهات من هذا النوع. لكن الساحة اللبنانية اعتادت «الخروج عن النص» أحياناً كثيرة، ما يطرح خيارات جديدة ويفتح أبواباً تخلط كثيراً من اﻷوراق.