في مؤتمر القمة العربية الأميركية الأخير في الرياض قدمت المملكة نفسها كقوة عالمية للسلام، وأعلنت عن عزمها على العودة بالإسلام إلى نهجه المعتدل بحربها على الإرهاب
 

الكتابة في الشأن السياسي مهمة صعبة تحتاج وقتا وبحثا ومتابعة وتأملا لغرض تقديم قراءة مقنعة ومنطقية للواقع. شح المعلومة واقتصار ما يرد من أروقة السياسة على عموميات الحدث لا تفاصيله، زاد من صعوبة المهمة وجعل مقال الرأي يبدو كتقديم إعلامي للحدث، لا رؤية فكرية للواقع وما ينبغي أن يكون عليه من خلال الحدث. الكاتب ليس إعلاميا مهمته تقديم المعلومة، مهمة الكاتب إنتاج الأفكار وتقديمها من خلال المعلومة.

قبل أكثر من عام قدمنا للقارئ مقالة عن النقلة النوعية في العلاقات الأميركية السعودية، وجاءت العبارة الأخيرة في المقال كرد على الإعلام الذي نعى تلك العلاقات وأظهر الشماتة بالمملكة بسبب الأزمات التي مرت بها مع الإدارة السابقة للبيت الأبيض.

بالتأكيد يمكن الهجوم الإعلامي على المملكة بسبب جهل المؤسسات بحقيقة السعودية كقوة خليجية عربية وإسلامية مؤثرة في المنطقة، ولكنها سياسة المؤسسات الإعلامية التي تتناول الحدث وفق ما يفرضه الانتماء العقائدي أو القومي المؤدلج، لا العقل المفكر وما يفرضه من حقائق.

السعودية معادلة صعبة في المنطقة، وقوة أكبر من أن تهمش دورها الخدعة الإخوانية الخمينية في وضع طاقية الإرهاب على رأس الوهابية. إذا كانت الوهابية حركة إسلامية محكومة بقوانين المملكة كدولة لها سياستها الداخلية والخارجية المستقلة، فإن الإخوانية والخمينية حركات إسلامية عميلة ومنفلتة تتخذ من زعزعة أمن الدول واضطهاد شعوبها بالخوف والإرهاب وسيلة لتحقيق أهدافها. ربما ما تعرضت له المملكة من عمليات إرهابية تبناها تنظيم القاعدة المنشطر عن الإخوان المسلمين، أو حزب الله التابع لمشروع ولاية الفقيه، يجعل مما تقدم حقيقة لا رأيا.

الشاب السعودي الذي خدعته مشايخ الخلافة المرتقبة ليفجر نفسه في هذا المكان أو ذاك، لا يمكن أن يكون سببا في قلع الشجرة التاريخية للعلاقات السعودية الأميركية، أو زعزعة المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة بين البلدين.

رأيت ملامح السخرية على وجوه شباب الموصل وهم يتحدثون عن الشاب السعودي الذي مدده إمام المسجد أمام المصلين، ليصلوا عليه صلاة الجنازة قبل أن يفجر نفسه في المناطق الشيعية. منْ خدع ذلك الشاب الآمن المترف في بلاده؟ ماذا دفعه لهجر أهله وأصدقائه؟ كيف تخلى عن طموحاته وأحلامه وذهب إلى العراق ينتحر بقتل الأبرياء من شعبه؟ لماذا معظم العمليات الانتحارية ينفذها شباب يحملون الجنسية السعودية، بينما قيادات التنظيمات الإرهابية من باقي الجنسيات؟ هل المطلوب من ذلك الشاب أن يترك بقايا جثته كدليل على تبني بلاده للإرهاب؟

حروب مشاريع الإسلام السياسي أحدثت حالة من الفصام عند الشاب السعودي. ضياع عقلي ووجداني بين فكر الإسلام كدين سماوي قائم على اعتدال وتعايش تحيته “السلام عليكم”، وبين الإسلام كسلطة مفروضة بحد السيف ومبدأ “أسلم تسلم”. بين حقيقة الإسلام كوحي ثابت، وبين تفسيره كموروث فقهي متغير.

لكن السعودية التي تصحح مسارها في التعامل مع الحركات الاسلامية، انتبهت إلى أخطاء سابقة كانت تعتمد رؤية تقوم على دعم الإخوان وتنظيمات السلفية الجهادية المنشطرة عنهم.

تجاهل لسلفية جهادية نبعت من إمبراطورية حكمت العالم بسيف الإسلام ستة قرون، خلافة عثمانية أنتجت تنظيمات سلفية جهادية تقاتل بسيفها، وأحزاب إسلامية تسايس وتتدبر بعقلها.

السيف يعمل والعقل يعمل حتى يكتمل القمر العثماني في تركيا ويظهر المستذئبون على حقيقتهم. بغض النظر إذا كانت الغاية من ربط سياسة المملكة بتلك التنظيمات مواجهة الخطر الإيراني وتمدد مشروع ولاية الفقيه في العراق وسوريا، أو الاستعانة بالإخوان والتنظيمات الإرهابية لزعزعة العلاقات القوية بين المملكة وأميركا، ففي كلا الحالتين اضطرت المملكة للتدخل العسكري المباشر في حرب ضد مشاريع الإسلام السياسي في اليمن والعراق وسوريا للدفاع عن أمنها من المشروع الخميني الإيراني.

في مؤتمر القمة العربية الأميركية الأخير في الرياض قدمت المملكة نفسها كقوة عالمية للسلام، وأعلنت عزمها على العودة بالإسلام إلى نهجه المعتدل بحربها على الإرهاب، لكن كيف يمكن للشعوب أن تتذوق ثمرة السلام التي يقدمها الملك سلمان بن عبدالعزيز للإنسانية، ولازال الموروث الفقهي بين السلفية الإخوانية العثمانية والسلفية الوهابية السعودية عنصر توافق بين الطرفين؟ هذا هو التحدي الكبير الذي ستواجهه المملكة للقضاء على الإرهاب وإنقاذ الإسلام والمسلمين من المشاريع الإرهابية للإخوان والخمينية.


 

كافي علي