أمّا وقد انتهت الانتخابات الرئاسية الايرانية بفوز حسن روحاني بولاية ثانية، فالسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، هل سنشهد تغييرا في السياسات الإيرانية إزاء القضايا الأساسية في المنطقة؟ الجواب بطبيعة الحال لا. ليس هذا حكما مسبقا على الرجل وسياساته بقدر ما هو استنتاج طبيعي للمعطيات المتعلقة بالنظام الايراني نفسه.
 

عند كل انتخابات يتم إغراق المراقبين بسيل من التوصيفات والانتماءات السياسية والفكرية والأيديولوجية الإيرانية بين المحافظ والمعتدل والاصلاحي والأصولي والبراغماتي والمتشدد ...الخ، وهي تصنيفات تبدو وكأنها مجرّد أنواع من البهارات تضاف إلى الطبخة الأساسية التي يخططها، ويديرها ويشرف على تنفيذها المرشد الأعلى وكافة الأجهزة التابعة له في الدولة.

بمعنى آخر، لا يهم من يفوز حقيقةً بالنسبة لنا، المرشد هو أعلى سلطة في البلاد وهو رأس الهرم، صلاحياته مطلقة وفوق أي سلطات في إيران، وهو الذي يسيطر على الأجهزة الرئيسية والفاعلة في البلاد من بينها الاجهزة الأمنية والحرس الثوري والجيش والميليشيات، ولديه جهازه الخاص الذي يتابع أمور الدولة في وقت يقوم فيه الجهاز المنتخب بعملية إدارية فقط لمتابعة متطلبات الحياة اليومية للشعب والدولة.

من هذا المنطلق، فبغض النظر عن الاسم والانتماء، غالبا ما تتراوح مهمّة من يفوز في منصب الرئاسة في إيران بين أن يكون أداة و/أو شمّاعة. الرئيس أداة لتنفيذ سياسات المرشد، واذا ما نجح في ذلك تعود الفائدة في نهاية المطاف للمرشد وينتهي دور الرئيس في سنواته المحددة دستوريا، أمّا إذا فشل الرئيس في تحقيق ما يريده المرشد، يكون حينها بمثابة شمّاعة يعلّق عليها المرشد النتائج المترتبة على الفشل، ويكون الرئيس محظوظا إذا أكمل سنواته الأربع دون خسائر معنوية.

دستوريا، يعتبر الرئيس الإيراني مسؤولا أمام المرشد، ولذلك فدوره وتأثيره محدود جدا. وبالرغم من هذه المحدودية، فهي لا تكون إلا بقدر ما يسمح المرشد بذلك لاسيما في الملفات المهمّة التي تعنينا. بإمكان رئيس الجمهورية اتخاذ ما يحلو له من قرارات إذا لم يكن الولي الفقيه معترضا عليها، لكن ليس بإمكانه في أي حال من الأحوال أن يتّخذ قرارا لا يريده المرشد الأعلى،

اذا فهمنا هذا الأمر من منطلق محددات النظام الإيراني القانونية والدستورية ومراكز القوى وعملية صنع وتنفيذ القرارات في البلاد، فإنه لن يهم في واقع الأمر من يكون في سدّة الرئاسة. الرئيس الإيراني غير قادر على اتخاذ قرارات تتعلق بحقوق الإنسان والإعدامات والسماح برفع الحظر المفروض على الإيرانيين في توتير وانستغرام، فكيف يُنتظر منه أن يكون له دور حقيقي في مسائل مصيرية من قبيل دور الحرس الثوري والملفات الخارجية كالملف السوري أو العراق أو العلاقة مع العرب أو الغرب؟ هذه الأمور لا يلعب فيها أي دور إلا بقدر ما يتم له السماح به وهو دور محدود جداً كما ذكرنا، وغالبا ما يتمثل إمّا بزيادة الاشتباك الكلامي أو بتدوير الزوايا مع الدول الأخرى.

قد يتساءل أحدهم، إذا كان الأمر هكذا فلماذا الانتخابات أصلاً؟ الانتخابات هي لإعطاء شرعية للنظام القائم، فالغالبية العظمى من المتابعين الغربيين لا تعرف تركيبة النظام السياسي الحقيقية، وكل ما تراه هو أنّ هناك انتخابات وأن هناك أناسا ينتخبون وأنّ هناك رئيسا للبلاد في نهاية هذه العملية. 

في هذه الانتخابات يكون هناك تحضيرات حقيقية، وتجري منافسة بين الأفراد الذين اختارهم النظام، وهو ما يعني أنّ على الناخب أن يختار نفس النظام في كل مرّة لكن بنكهات مختلفة وذلك بسبب إقصاء الشخصيات التي لا تؤمن بنظام الولي الفقيه بشكل أوتوماتيكي فضلا عن أولئك الذين قد يمثلون تهديدا محتملا وإن كانوا من داخل النظام.

وفي دائرة من هذا النوع، يكون النظام مطمئنا لأنه استبعد منذ البداية أي مرشح لا يناسبه قبل الوصول إلى هذه المرحلة، وحتى في هذه المرحلة، إذا تبيّن أنّ المرشح سيقوم بتهديد صلب النظام، فإن المرشد والمؤسسات التابعة له قادرة على التأثير على النتيجة النهائية.

أمّا الهدف الثاني للإنتخابات، فهو أن تكون بمثابة وسيلة لتنفيس الضغط الداخلي. علينا ألا ننسى أنّ النظام الايراني هو نظام ثوري وهو بحاجة دوما إلى إبقاء هذه الخاصية وإن تحوّل إلى دولة في مرحلة من المراحل، ولذلك فالناس في إيران بحاجة الى أن تصب جام غضبها على جهة ما عندما تتدهور الأوضاع الداخلية، ولكي لا يتم تحميل المرشد المسؤولية، يسمح هذه النظام بآلية تنفيس عبر هذه الانتخابات كآلية عمل طنجرة الضغط تماماً.

خلاصة القول، فوز روحاني لا يعني شيئا بالنسبة لنا، ولا يجب أن نركّز كثيرا على شخصه أو موقعه، فاللعبة ومفاتيحها في مكان آخر مختلف تماما.