تلقّى رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع تأكيداً من «التيار الوطني الحر» أنه لن يتراجع عن مشروع الوزير جبران باسيل تحت أيّ ضغط. لكنّ «حزب الله» أبلغ الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أن لا قانون انتخاب إلّا إذا اعتمد النسبية الكاملة. وهنا تبدأ مشكلة «التيار»: هنا أو هناك؟تسأل القوى الشيعية: هل يُعقَل أن نحصل على موافقة الرئيس سعد الحريري على النسبية الكاملة، فيما يبقى علينا إقناع الحليف المسيحي «التيار الوطني الحر»؟
 

في تقدير البعض أنّ الحريري يقبل النسبية لأنّ ذلك من الأثمان التي سيدفعها لعودته إلى رئاسة الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، أيّاً كانت التوازنات السياسية التي ستكون في المجلس النيابي.

وهذا الثمن هو الثاني الذي يدفعه الحريري، بعد ثمنٍ أول دفعه ليعود إلى السراي الحكومي، وقضى بتأييد مرشح لرئاسة الجمهورية ينتمي إلى 8 آذار.

لكنّ «التيار الوطني الحر» ربما لا يكون مضطراً إلى عقد الصفقات ودفع الأثمان ليحجز مكاناً في المرحلة المقبلة. فهو أساساً حجز موقعه في الرئاسة لـ6 سنوات في مقابل تحالف استراتيجي مع «حزب الله»، وموقعه محفوظ في الحكومة المقبلة بناءً على هذا التحالف، وليس بناءً على تقاطعات في المصالح.

وهكذا، يتمسك «التيار» بقانون الانتخاب الذي يعتقد أنه الأفضل لتمثيله وتمثيل المسيحيين. وأساساً هو تبنّى قانون «اللقاء الأرثوذكسي» الذي لا يلقى موافقة لدى «حزب الله». وفي كثير من «التفاصيل المسيحية» يفترق «التيار» عن «الحزب».

ما يخشاه «التيار» هو أن يقود المأزق الحالي إلى تمديد غير تقني للمجلس النيابي، هو الثالث منذ 4 سنوات، بسبب تعذّر الاتفاق على قانون. وهذا الاتجاه بدأ يبرز في الأيام الأخيرة. وإذا حصل، فسيشكل ضغطاً كبيراً على «التيار» لتعديل مواقفه في ملف قانون الانتخاب.

ويقول بعض المتابعين: «دفع الرئيس نبيه بري بالرئيس سعد الحريري إلى أن يتلقّف كرة القانون، ففعل. وهو سيفتح ورشة سريعة لإقرار قانون في الحكومة. وعلى الأرجح سيقدّم مشروعاً يقوم على النسبية الكاملة، مع هامش في حجم الدوائر والصوت التفضيلي.

ويمكن مراعاة الهواجس باعتماد دوائر مريحة طائفياً. فالبطريرك مار بشارة بطرس الراعي لمّح إلى اعتماد 15 دائرة. وكذلك، يريد النائب وليد جنبلاط دائرة يكون قوياً فيها.

هناك توافق شامل، إلّا لدى جنبلاط، على رفض قانون الـ60. ولكن، في العمق، الجميع يعيش «وجدانياً» داخل قضبان هذا القانون. ربما لأنّ هذا القانون هو الذي استولد غالبية جيل الزعامات السياسية الحالية، أو لأنه يعتمد معياراً جغرافياً منطقياً هو القضاء، حيث إنّ هناك مصالح مشتركة وروابط فاعلة بين الناس ونوابهم.

والمثير أنّ الحراك الانتخابي الجاري يقوم خصوصاً على مستوى القضاء. والذين يرغبون في خوض الانتخابات المقبلة، أيّاً يكن القانون، يقومون اليوم باستعداداتهم ويطلقون حملاتهم، ولو خجولة، على هذا المستوى، ولم يخرجوا إلى المحافظة أو أيّ دائرة أكثر اتساعاً من القضاء.

ففي الواقع، من الناحية «الوجدانية»، قانون 1960 هو «محبوب الجماهير» فعلاً. وسيكون من الصعب إقناع الناخبين عموماً بأنّ من الممكن أن يصوّتوا لنواب من خارج القضاء. ومن المصادفات أنّ جنبلاط وحده يدعم القضاء علناً، فيما القوى الأخرى كلها ترفض قانون الـ60 أو تؤيّده وفقاً لمصالحها.

المسيحيون استعانوا بهذا القانون في 2008، لأنه أفضل من «قانون غازي كنعان»، يريدون اليوم الخروج منه لتحسين التمثيل. وهذا هو فحوى التفاهم بين «التيار» و«القوات اللبنانية». لكنّ القوى الشيعية تنظر إلى القانون من زاوية أخرى: «إنه فرصة تاريخية لتكريس انتصار استراتيجي».

لا تريد القوى الشيعية إضاعة فرصة أن يقول تيار «المستقبل»: «نعم للنسبية الكاملة». وهذه القوى تضمن جيداً حصولها على التمثيل الشيعي بنحو شبه كامل، أيّاً كان القانون. لكنها في النسبية تحقق خروقات واسعة لحلفائها داخل الطوائف الأخرى كافة. وهذه فرصة لتكريس توازن سياسي معيّن في داخل الحكم والحكومة لمصلحة «حزب الله»، على مدى عهد عون.

وهنا يدرس عون خياراته جيداً: على رغم التحالف، هو يريد قانون انتخاب يمنحه كتلة قادرة على حماية العهد. لذلك، لا يبدو منطقياً الحديث عن تمايز في الطروحات الانتخابية بينه كرئيس للجمهورية وبين باسيل كرئيس لـ«التيار الوطني الحر».

وفي الكواليس أنّ «قانون باسيل» يضمن وصول الكتلة التي يريدها «التيار» في المجلس، لأنه يوازن بين الخيارَين النسبي والأكثري. فيما النسبية الكاملة، على مستوى الدوائر الوسطى أو المحافظة، قد لا تكون نتائجها مضمونة حتى بالنسبة إلى ترشيح باسيل في دائرة وسطى تشمل البترون أو في محافظة الشمال.

وأساساً، يسود الترقب مواقف القوى المعنية في البترون: «القوات»، «التيار»، النائب بطرس حرب، الكتائب و«المردة». وحتى اليوم، ليس واضحاً إذا كانت «القوات» ستختار باسيل أم حرب في لائحتها، خصوصاً بعد انسحاب النائب أنطوان زهرا من المعركة وترشيح «القوات» للدكتور فادي سعد وتأكيد جعجع أنّ خيارات التحالف مفتوحة في البترون.

وسمع البعض كلاماً من أوساط «التيار» في البترون، مفاده: «إذا كان البعض يعتقد أنّ أحداً يمكن أن يحشرنا انتخابياً، فإنّ باسيل قد لا يترشّح. وليَجرِ خلط الأوراق وإجراء الحسابات الانتخابية بناءً على هذا الأساس».

«التيار» ملزَم بالوعد المقطوع لـ«القوات» بالتمسك بالقانون المختلط بأيّ ثمن. لكنه مضطر إلى التعاطي واقعياً مع طروحات حليفه الشيعي. فأيّ اتجاه سيختاره عون وسط هذا التجاذب؟