كشفت دراسة جديدة لمعهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي عن سعي تل أبيب الحثيث للتدخل في رسم ملامح سوريا مستقبلاً بعد انتهاء الحرب في البلاد.
 

وأشارت الدراسة التي نشرت بتاريخ 23 مارس 2017 إلى أنه بسقوط مدينة حلب في ديسمبر 2016، انطلقت الجهود السياسية على أشدها بقيادة روسيا لتحقيق تسوية تشمل هدنة مستقرة، وتحديد مبادئ للفترة الانتقالية، استعداداً لرسم ملامح سوريا والنظام في المستقبل. فأين إسرائيل من هذه التسويات؟

الدراسة التي حملت عنوان "معركة تشكيل ملامح سوريا: ملخص الوضع السياسي والدبلوماسي والزاوية الإسرائيلية"، أعدها الباحثان "تسافي ماجين" الدبلوماسي ورجل المخابرات السابق، الذي عمل سفيراً لإسرائيل في روسيا وأوكرانيا، و"أودي ديكل" العميد السابق بجيش الاحتلال، والقائم بأعمال رئيس معهد أبحاث الأمن القومي حالياً.

ورأى الباحثان بعد استعراض موسع للوضعين العسكري والدبلوماسي وأهداف مختلف اللاعبين على الساحة السورية، أن إسرائيل التي تشعر بعجزها حيال التأثير على التسويات التي تتبلور الآن في موسكو وطهران وأنقرة وأستانة وجنيف، والتي تشعر أن تغيّر ميزان القوى داخل سوريا بات يصب في غير صالحها، في ظل ابتعاد الولايات المتحدة عن التسوية المحتملة، واكتفائها بالحرب على داعش، تبذل جهوداً دبلوماسية غير مسبوقة لضمان عدم بقاء قوات إيرانية أو تابعة لحزب الله في سوريا في إطار التسوية المستقبلية.

إلى نص الدراسة:

ملخص الوضع العسكري

بعد ما يزيد عن ست سنوات دامية، ونحو نصف مليون قتيل (غالبيتهم مدنيون)، وملايين اللاجئين والنازحين، تتزايد خلال الفترة الأخيرة الإشارات على انتهاء الحرب الأهلية في سوريا، تلك الحرب التي بدأت كانتفاضة مدنية، وتطورت إلى حرب تنظيمات جهادية، وفي وقت لاحق إلى حرب بين متنافسين على هيمنة إقليمية بمشاركة عناصر القوى الرائدة بالشرق الأوسط والقوى العالمية.

في سبتمبر 2015 حدث التحول في الحرب عندما قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التدخل عسكرياً في سوريا، بهدف الحفاظ على نظام بشار الأسد. النجاحات الميدانية التي حققها الائتلاف الموالي للأسد بقيادة روسيا، وبمشاركة إيران، ومختلف مبعوثيها (بالوكالة) بما فيهم حزب الله، وصلت ذروتها بعد سقوط المدينة الشمالية الرئيسية حلب في ديسمبر 2016.

بهذا تم الانتهاء من الجهد الرئيسي للحفاظ على نظام الأسد في العمود الفقري لسوريا، الذي يضم معظم السكان ومراكز الحكم. بعد ذلك انطلقت جهود سياسية بقيادة روسيا لتحقيق تسوية تشمل هدنة مستقرة، وتحديد المبادئ للفترة الانتقالية، استعداداً لرسم ملامح سوريا والنظام في المستقبل.

في تغطية النقاشات حول الفترة الانتقالية والتسوية المستقبلية في سوريا، استمر التغير في ميزان القوى الداخلية وفي قوة تأثير اللاعبين الخارجيين الضالعين في القتال.

برعاية الهدنة والمحادثات بين الأطراف في الأستانة وجنيف، تساعد روسيا وإيران قوات الأسد على توسيع سيطرتها على قطاعات مختلفة داخل سوريا: حلب الشرقية، محيط دمشق ومنطقة حمص (جرى التوصل لاتفاق هناك بإخلاء مجاميع المتمردين). كذلك هناك مؤشرات على أن حزب الله، يعمل برعاية إيران على إحداث تغيير ديموغرافي خاصة في المناطق القريبة من الحدود السورية اللبنانية، بهدف بلورة بيئة ديموغرافية مريحة أكثر استعداداً لقادم الأيام.

وبشكل مواز، اقترب الانتصار على "الدولة الإسلامية" في شرق سوريا وتحرير المناطق الواقعة تحت سيطرتها. منذ استلام الرئيس دونالد ترامب مهام منصبه، تعمل الولايات المتحدة جاهدة على هزيمة "الدولة الإسلامية". وتدفع القيادة المركزية الأمريكية نحو شن هجوم لتحرير الرقة، عاصمة "الدولة الإسلامية" في سوريا.

جرى تعزيز القوات الأمريكية العاملة بشمال وشرق سوريا بالمئات من مشاة البحرية، إضافة إلى نحو 500 جندي من القوات الخاصة العاملة بالمنطقة. "قوات سوريا الديمقراطية" تتقدم نحو تشديد الخناق على الرقة، وهي القوات التي تشكلت برعاية الولايات المتحدة وتضم مقاتلين من الميليشيا الكردية "وحدات حماية الشعب"، إلى جانب مجاميع من المقاتلين العرب السنة، وهم الشركاء الرئيسيون للولايات المتحدة في المعركة البرية ضد "الدولة الإسلامية" بسوريا. كل هذا، بينما وفي الوقت نفسه أيضاً تسعى قوات الجيش السوري التابعة للأسد للوصول إلى الرقة من جهة الغرب.

ملخص الوضع الدبلوماسي

منذ تدخلها العسكري، أصبحت روسيا أكبر لاعب في الملعب السوري، وزادت من تأثيرها الاقتصادي بالشرق الأوسط. أوجد دخول الرئيس ترامب البيت الأبيض توقعات بشأن تعاون بين روسيا والولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى، تتزايد الإشارات على حدوث تغير في السياسات الأمريكية بالشرق الأوسط، سعياً للحد من نفوذ إيران جنباً إلى جنب مع إعادة العلاقات مع الدول العربية السنية. بناء على ذلك، ورغم إنجازاتها بسوريا وتحسن مكانتها الإقليمية، بدا أن موسكو ستسعى قبل كل شيء للوصول إلى تفاهمات مع واشنطن ولزيادة التنسيق معها للحفاظ على النظام العلوي في سوريا.

ما تزال سياسة إدارة ترامب تجاه روسيا غير واضحة. وسعي الرئيس المعلن للتقارب مع موسكو يربكه الكشف عن قضايا اتصال رجاله بالروس خلال حملته الانتخابية، وموقف العناصر المهنية بالإدارة، الذين يدعون لممارسة ضغط وتبني سياسة حازمة تجاه روسيا.

أصبحت ساحة الشرق الأوسط، وفي القلب منها التسوية في سوريا الاختبار الأول لإدارة ترامب في موقفه من روسيا. تركز الإدارة في الأساس على هزيمة "الدولة الإسلامية" من خلال غاراتها الجوية، مع منح زمام الأمور للروس في قيادة عملية التسوية.

احتلت تركيا، التي تدعم مجاميع التمرد المحسوبة على الإخوان المسلمين، والجيش السوري الحر، مكانة بارزة في المباحثات حول مستقبل سوريا، بعد سيطرتها على مناطق بشمال سوريا.

أنقرة منزعجة للغاية من تعاظم النفوذ الكردي هناك وتعمل على دفع القوات الكردية إلى شرق نهر الفرات. في هذا الإطار هي معنية بالمشاركة في الجهد العسكري للسيطرة على الرقة، للحيلولة دون حصول الأكراد على أي إنجازات، من خلال إنشاء منطقة آمنة جنوباً على الحدود التركية السورية.

إيران من جانبها مستمرة في سعيها للحفاظ على سوريا كاملة تحت حكم النظام العلوي. لذلك هي غير راضية عما بدت بالفعل كسياسة روسية، أي الإقرار العملي لنوع من الفيدرالية في سوريا، وهي السياسة التي تتفق مع مواقف القوات الداخلية وتمنح نوعاً من الحكم الذاتي في المناطق التي تضم عنصر قوة مهيمناً يسيطر على المجال (على سبيل المثال في الإقليم الكردي بشمال سوريا، أو في الجيب السني بمنطقة إدلب).

كذلك إيران غير راضية عن الدور المركزي الذي أعطته روسيا لتركيا في تمثيل المتمردين السنة في المباحثات، وكذلك أيضاً في الاعتراف بمجال التأثير التركي بشمال سوريا. تتعاون إيران مع روسيا في هذه المرحلة، لكنها وبشكل مواز تساعد الأسد في توسيع سيطرته على مزيد من المناطق، وتواصل إمداد ذراعها العملياتي الرئيسي - حزب الله - بالأسلحة.

ليس من الواضح تماماً مدى استعداد روسيا للأخذ بعين الاعتبار رغبات إيران، ولا يمكن استبعاد وجود تضارب في المصالح بين الدولتين. مع ذلك تجد موسكو صعوبة في الامتثال للمطلب الأمريكي بالحد من النفوذ الإيراني في سوريا بعد الدور الذي لعبته طهران، وسمح بتحقيق انتصار الائتلاف الموالي للأسد في حلب. علاوة على ذلك، لدى روسيا مجموعة من المصالح الواسعة للغاية التي تربطها مع إيران (الطاقة، بيع السلاح، التجارة، وغيرها).

زيادة تدخل إسرائيل

في ضوء إدراك إسرائيل انتهاء مرحلة القتال الرئيسية في الحرب الأهلية بسوريا، التي اكتفت حيالها بموقف المتفرج ولم "تذرف دمعة" على سفك الدماء المتبادل لأعدائها، وبداية معركة جديدة لإعادة رسم ملامح سوريا، سافر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو للقاء الرئيس الروسي.
تركز الاجتماع على تأكيد استياء إسرائيل من الهيمنة الإيرانية في سوريا ومن البقاء المتوقع لقوات إيران وأذرعها هناك في إطار التسوية المستقبلية. ليس هذا فحسب، عادت إسرائيل وحددت خطوطها الحمراء، وأهمها منع نشر قوات إيران وأذرعها بجنوب سوريا، على مقربة من حدودها. هذا على ما يبدو الخلفية للهجوم الجوي (الإسرائيلي) الذي نُفذ الأسبوع الماضي في العمق السوري، واستهدف موقع تخزين سلاح تابع لحزب الله أو القوات الموالية لإيران.
المحاولة السورية لاعتراض الطائرات المهاجمة بواسطة صواريخ أرض- جو من نوع “أس أيه 5" تدل على نوعية الأهداف التي تعرضت للهجوم، وكذلك على تغيير محتمل في أدوات اللعبة: سوريا لم تعد مستعدة لاستيعاب مزيد من الهجمات الإسرائيلية دون رد. جاء استدعاء السفير الإسرائيلي في موسكو لجلسة توضيح عقب الحادثة لينقل لإسرائيل استياء روسيا من توسيع النشاطات العسكرية الإسرائيلية في عمق سوريا.
تتعامل روسيا مع إسرائيل كقوة إقليمية، تمتلك القوة للتأثير على مجمل التطورات بالساحة السورية. ولديها (روسيا) مصلحة مؤكدة في تنسيق خطواتها بالمنطقة مع إسرائيل، مع تجنب الاحتكاك العسكري معها، وفي التنسيق الأمني القائم بين الطرفين في المجال السوري، الذي أثبت فاعليته. هناك أيضاً وعي روسي لمصلحة إسرائيل في منع تمركز القوات التابعة لإيران بالقرب من حدودها، وكذلك لحساسيتها تجاه الوجود الإيراني في سوريا عامة، ولا تعارض روسيا التنسيق الإستراتيجي مع إسرائيل في ما يتعلق بمستقبل سوريا.
تشير إيران إلى أنها لا تخشى المطلب الإسرائيلي بمنع تمركز القوات التابعة لها في المنطقة الحدودية بين إسرائيل وسوريا، فنقلت قوات مليشيات شيعية وأخرى تابعة لحزب الله إلى درعا، للقتال إلى جانب قوات الأسد، في محاولة جديدة للسيطرة على المدينة الجنوبية.
كما أعلن الإيرانيون إقامة قوة جديدة في إطار الميليشيا الشيعية العراقية حزب الله النجباء، التي تقاتل في سوريا تحت قيادة إيرانية. قال متحدث باسم القوة إنه لن يغادر سوريا حتى طرد آخر الإرهابيين من أرضها، وبالإضافة إلى القوة المقاتلة في سوريا، أنشأت وحدة خاصة لتحرير الجولان.
إسرائيل التي لم تدس أنفها في المستنقع السوري، تشعر بأنها عاجزة عن التأثير في التسويات التي تتشكل الآن في موسكو وطهران وأنقرة وأستانة وجنيف. ومن أجل عرض المخاوف والخطوط الحمراء لإسرائيل بأقصى قوة، كان لزاماً على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إجراء لقاء هو الرابع منذ 2015 مع الرئيس بوتين.
في وقت قريب من هذا الاجتماع زار موسكو أيضاً الرئيس التركي أردوغان. يصعب الافتراض أنه لم يناقش مع بوتين تلك الأمور. كذلك من المتوقع في القريب أن تشهد موسكو زيارة الرئيس الإيراني روحاني. سوف تحاول روسيا بالتأكيد تهدئة مخاوف كل هؤلاء اللاعبين، وأن تنقل بينهم رسائل سرية كوسيطة. في هذه المعركة تلعب الولايات المتحدة دوراً ثانوياً، ولا تتصدر المشهد، وتحافظ في الأثناء على أوراقها قريبة من صدرها.
وجود إسرائيل في معركة جديدة، تكون فيها أكثر فاعلية وأقل سرية، عبر عن نفسه في تصريحات نتنياهو التي تطرق فيها للهجوم الإسرائيلي الأخير: "سياستنا متسقة للغاية، عندما نضع أيدينا على محاولات لنقل أسلحة متطورة لحزب الله. لدينا المعلومات الاستخبارية، والجدوى التنفيذية، ونعمل على منع ذلك. هذا ما كان وهذا ما سيكون. يمكنني التحدث عن عزمنا الراسخ، والدليل على ذلك أننا نعمل. وعلى الجميع أن يأخذ هذا في الاعتبار. الجميع".
تعبر تلك الكلمات عن قرار إسرائيل زيادة تدخلها في ما يتبلور بسوريا، في ظل تقديرات بأن علاقات القوى تتغير بما لا يصب في صالحها. السؤال الكبير هو إلى أي مدى تستطيع إسرائيل أن تكون عازمة على الحفاظ على خطوطها الحمراء التي حددتها والحيلولة دون تعاظم قوة حزب الله وأذرع إيران الأخرى في سوريا، دون تقويض علاقاتها الخاصة مع موسكو ودون التسبب في تصعيد واسع على الساحة الشمالية؟