في العام 1979 أطاحت الثورة الإسلامية بحكم الشاه في إيران ليعود آية الله الخميني إلى طهران قادما من منفاه في فرنسا. لكن مقابل عودة الخميني غادر خمسة ملايين شخص على الأقل. أقارب الشاه كانوا أول المغادرين ليلتحق بهم كبار ضباط الجيش والمسؤولين في الدولة، ثم طبقة المثقفين والفنانين وأتباع الديانة البهائية والمعارضين السياسيين وكلّ من رأى في هذا النظام تهديدا لحياته. وكانت الولايات المتحدة الملجأ الرئيسي لهؤلاء الهاربين الذين يتزايد عددهم يوما بعد يوم. لكن الآية انعكست تماما اليوم، ليطل قرار الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب الصادم حول الهجرة، ليعقّد الوضع ويحبس الإيرانيين داخل أسوار نظامهم المتشدد المعادي للحريات.
 
يقول أليكس حلمي، متذمّرا في متجره الفاخر للسجاد في قلب الحي الإيراني بلوس أنجلوس، "لم يخطر ببالي يوما طوال 42 عاما أنّ أحدا سيسألنا هنا عن ديانتنا قبل السماح لنا بالقدوم إلى الولايات المتحدة؟".
 
وتابع بنبرة حازمة “هذا ينعكس على الجالية بكاملها. على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تعيد النظر في المرسوم" الذي يحظر دخول مواطني سبع دول ذات غالبية مسلمة إلى الولايات المتحدة الأميركية، بينها إيران لثلاثة أشهر، ملخصا بذلك الشعور العام السائد في "طهرانجلوس" (مصطلح يطلق للدلالة على أهمية الجالية الإيرانية المتواجدة في مدينة لوس أنجلوس).
 
ويؤوي جنوب كاليفورنيا حوالي نصف مليون إيراني من المهاجرين وأبنائهم، حيث يقيم العديد منهم في لوس أنجلوس. وشهدت فترة الستينات من القرن الماضي قدوم المهاجرين الأوائل الذين قدموا إلى لوس أنجلوس للدراسة، ثم ازدادت أعدادهم في السبعينات.
 
وجاءت أكبر موجات الهجرة على الإطلاق في العام 1979 بعد الثورة الإيرانية التي أطاحت بالشاه وأسست الجمهورية الإسلامية وقلبت الحياة داخل إيران رأسا على عقب، وضيّقت على الحريات ونشرت ثقافة السواد والانغلاق داخل البلاد.
 
ومنذ فجر الثورة إلى اليوم، تعتبر الولايات المتحدة الملجأ الرئيسي للكثير من الإيرانيين، خصوصا المعارضين السياسيين والفنانين وعارضي الأزياء والأقليات الدينية والثقافية، على غرار البهائيين الذين يشكلون أكبر نسبة من المهاجرين الإيرانيين في أميركا. لكن يأتي اليوم قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليضاعف من الأزمة ويضع الإيرانيين بين مطرقة تشدد الداخل وسندان غلق أبواب الهروب في وجههم. وتروي ليلى، التي رفضت كشف كنيتها خوفا من التسبب بمشكلات لوالدها، مبدية غضبها "لقد قاموا بصد جدة عمرها 82 عاما في كرسي نقال. أي خطر كانت تشكل؟".
ولا تزال ليلى (45 عاما) ترتجف من الخوف عندما تسترجع وقائع الجمعة الماضي، حين توجهت إلى المطار لاستقبال والدها الإيراني الايطالي. وتقول "خرج في الساعة 14:30 بعد قليل على توقيع المرسوم. وقال لي أعتقد أنهم أغلقوا الأبواب من بعدي".
 
وتضيف، وقد انتهت للتو من إعداد خبز حلوى بالسمسم، "أعرف شخصا لم يتمكن من القدوم وقد توفيت والدته للتو، وهناك شخص ثان سيخضع والده لعملية قلب مفتوح، وهو محتجز في إيران".
 
 
وضع مأساوي
 
قال فهراد بشارتي، الذي يملك وكالة أسفار على جادة ويستوود التي تصطف على جانبيها مكتبات بالفارسية ومحلات كباب ومخابز تعرض حلويات شرقية، "الأيام الماضية كانت كارثة حقيقية. لم يتوقف رنين الهاتف". وتابع "حاولنا أن نشرح للزبائن أن المرسوم مؤقت لكن الكثيرين يقولون إنه خلال تسعين يوما سوف نخسر حياتنا هنا"، مؤكدا أن الجالية الإيرانية “في حالة صدمة".
 
وروى وضعا إيرانيا يعرفه "غادرت زوجته إلى إيران، وهو لا يعلم الآن متى ستتمكن من العودة، ولديهما أولاد. إنهم في وضع مأساوي”. وتابع “تلقيت أيضا اتصالات من طلاب في الـ23 من العمر يبكون ويطلبون مني المساعدة، لكن ماذا بوسعي أن أفعل؟ تمكنت إحدى الطالبات أخيرا من الوصول، لكن لم يسمح لأخرى بالصعود في الطائرة".
 
ويقول علي (42 عاما)، الذي رفض هو أيضا كشف كنيته خشية التعرض لمتاعب مع السلطات الأميركية، إنه كان يعتزم زيارة عائلته بمناسبة عيد النوروز (رأس السنة الفارسية) في 21 مارس، لكنه يضيف "لا أعرف الآن إن كنت سأذهب؟". ويوضح علي، متحدثا بين رفوف مكتبة “كتاب”، أنه يخشى أيضا أن تتخذ الحكومة الإيرانية تدابير انتقامية تطال حاملي الجنسيتين مثله.
ويشير الجميع إلى أن أيا من منفذي الاعتداءات الأخيرة في الولايات المتحدة، بما فيها اعتداءات 11 سبتمبر 2001 لم يكن ينحدر من إيران ولا من الدول الست الأخرى المستهدفة بمرسوم حظر الهجرة (سوريا والعراق واليمن وليبيا والصومال والسودان)، والذي تم تبريره بضرورات مكافحة الإرهاب. ولفت علي إلى أنه في 6 يناير "وقعت عملية إطلاق نار في مطار بفلوريدا، وكان المنفذ أميركيا أبيض. هناك إرهابيون من كل الجهات"، واصفا المرسوم الرئاسي الأميركي بأنه “غير عادل".
 
 
أزمة متواصلة
 
تعتبر قلة من الأميركيين أن المرسوم سيكون مفيدا، ومنهم جاكوب أغناسيان (65 عاما) الذي يبدي ثقته في أنه "سيبعد الإرهابيين". ويضيف الرجل المؤيد لترامب "إن سمحنا لهم بالدخول، لن تعود هناك وسيلة لوقفهم".
 
غير أن بشارتي يرى، رغم احتجاجه على المرسوم، أنه قد يسدد ضربة لعمليات تمويل الإرهاب، موضحا “هناك أثرياء يأتون من إيران حاملين معهم الملايين بل المليارات من الدولارات.. هم الذين يرسلون الأموال إلى سوريا أو إلى حزب الله”. وليست المرة الأولى التي تتأثر فيها الجالية الإيرانية بالموقف السياسي الأميركي من بلادهم، حيث يتذكر الإيرانيون ما مرّوا به خلال أزمة الرهائن الأميركيين في إيران (الرابع من نوفمبر 1979-20 يناير 1981)، والتي أثرت في العلاقة الأميركية الإيرانية بشكل كبير، الأمر الذي كانت له تداعيات سلبية على الإيرانيين الذين وصلوا لتوهم حينئذ إلى لوس أنجلوس.
 
وعلى امتداد الأزمة شهدت الشوارع الأميركية، خصوصا لوس أنجلوس، العديد من المظاهرات لأميركيين كانوا يطالبون الإيرانيين بالعودة إلى بلادهم. ويقول أحد الإيرانيين الأميركيين “لم يكن من الجيد أن تكون إيرانيا".
ومنذ ذلك الحين والإيرانيون يقاومون صورة المتعصّب ويدفعون ثمن سياسات النظام في بلادهم التي تركوها هربا منه.