بمناسبة احتجابها عن الصدور، أصدرت جريدة “السفير” عدداً خاصاً نشرت فيها مقابلة أجريت مع المعلم الشهيد كمال جنبلاط بتاريخ 11-9-1976  نعيد  نشرها لما فيها من مواقف تاريخية مهمة

أعلن كمال جنبلاط في مقابلة خاصة لـ «السفير» كشف فيها تصوراته للمرحلة المقبلة ان الحركة الوطنية تعتبر تسلم الرئيس الياس سركيس مهماته الدستورية «منطلقا على الأقل لمنع المؤامرات العربية والدولية». وقال ان المطلوب رجل تاريخي لحل الازمة عبر تجاوز التناقضات، وانه إذا استطاع سركيس حلها يكون ذلك الرجل.
ووصف جنبلاط «الحسم العسكري» الذي تهدد به سوريا وجبهة الكفور بأنه «لا يحسم شيئا إذا تم على ايدي السوريين». وقال: «ان الاتحاد الكونفدرالي قد يكون مقدمة للتقسيم» وكذلك مشروع نظام الكانتونات الذي يستهدف «الحفاظ على الامتيازات المارونية، وهو للتعتيم على بقاء القوى الانعزالية مستنفرة وجعلها قادرة على ان تستقل يوما من الأيام».
واشترط جنبلاط لبدء الحوار الذي قال: «اننا لسنا محشورين» عليه، ما يأتي:
1ـ ان يكون على أساس البرنامج المرحلي «الذي نعتبره المحور الأساسي لكل اصلاح».
2ـ ان يتم بعد الانسحاب السوري «لكي لا يكون السوريون أداة ضغط في اتجاه إبقاء القديم على قدمه».
3ـ ان يبدأ بين اللبنانيين أولا.. ثم يبدأ الحوار مع الفلسطينيين وغير الفلسطينيين «اننا نريد أداة شرعية تمثيلية حقيقية للشعب تستطيع ان تحاور الفلسطينيين والسوريين على حد سواء».
وأشار جنبلاط الى ان الانعزاليين ينتظرون قدوم قوات أوروبية، وبالتحديد فرنسية، للوقوف في وجه السوريين.. الا انه قال: «لن تأتي القوة الأوروبية في أي حال نظراً لتعقد الشؤون الدولية».
اعتبر ان السياسة السورية كانت بلهاء وغبية جداً لأنها وقعت في هذا الفخ وتراجعت عن أهدافها القومية، فلا أدري أي مصلحة لسوريا في الاندراج في هذا المخطط سوى انها تريد ان تبرهن، أي النظام السوري، انه يستطيع حل القضية الفلسطينية بإعطائها شكلا من الاشكال، قد لا ينسجم مع الحق الفلسطيني في استعادة الأرض وفي انشاء الدولة الفلسطينية ضمن حدود 1947، وان النظام السوري جريء على الصعيد الدولي بانه يتحمل ان يكون أداة في تنفيذ هذا المخطط. كل هذا في الحقيقة معقد جداً، وفيه شيء كثير من الثنائية، وهو في النهاية لا يخدم المصالح السورية، كما ان الأسد، من جهة أخرى يريد ان يظهر نفسه بأنه رجل السلام، والسلام في لبنان، وله نظرية غريبة من حيث انه يريد «ضب» الانعزاليين، وجعلهم يتوجهون الى دمشق، وهذه أيضاً نظرة غبية، لانهم لم يثقوا بسوريا ولا بأي نظام سوري ولم يثقوا أيضاً بالعرب وهم يسمونهم في إذعانهم بالعربان.. بالبدو، وكما ان إسرائيل لا تثق بالعرب، فالصهيونية المارونية هي كالصهيونية الإسرائيلية، ولكن ربما اشد قلقا على مصيرها الى اية جهة عربية توجهت، وهي تعرف كيف تلعب بالدول العربية وبممارساتها لتستفيد، ثم تقلب لهذه الدول ظهرها،
لان الانعزاليين من الموارنة لا يتطلعون إلى الغرب، هم بحق الصليبية الجديدة في هذا الشرق، كما نسب ذلك القول الى أحد قادة الكتائب، فبين الدماغ السوري، حتى البعثي، وبين الدماغ الماروني الانعزالي، لا يمكن ان توجد صلة، ولا يمكن ان تقوم ثقة، ولذا قلت ان السياسة السورية كانت بلهاء في هذا المستوى لانها لم تعرف مصلحتها الحقيقية. فلا بد في يوم من الأيام ان تبدل سوريا من سياستها او يضطرها الشعب والجيش السوري والنظام نفسه الى تبديل القادة حتى لا يستمر الانجراف في هذه السياسة البلهاء، التي لا غنيمة فيها. وقد رفض الانعزاليون الاتفاق الأمني كما رفضوا الفدرالية. ولن تجني سوريا أي ثمن، حتى من ناحية الوفاء الانعزالي لها. والأيام قريبة، وستظهر ما نحن نقوله، وتجسده امام العيان، منذ هذه الساعة يطالب الانعزاليون بقوة أوروبية يستحسن ان تكون فرنسية وفق تخطيطهم لكي تقف في وجه الجيش السوري. وانتم تعلمون ان الجيش السوري لم يستطع ان يكون مقبولا في أي قرية او مدينة صغيرة مسيحية، ولم يتجرأ على دخولها، لان الانعزاليين رفضوا ذلك بقوة.
يجب ان يحدث تبدل في السياسة السورية، وان يشعرنا السوريون بأنهم بدلوا في سياستهم، وهم يريدون انتهاج سياسة جديدة، وطبعا ذلك لا يتم الا بأن ينسحبوا من المناطق التي وعدوا بالانسحاب منها، ان يفوا بتعهداتهم، لكي يظهروا حسن نياتهم. أما الانتقال بالطائرة، او اجراء لقاءات، فهذه نظرية تقليدية لبنانية يمكن ان تكون ناجمة عن تخلف العقل السياسي في لبنان عن الغرب.
وليد شقير، ١١/٩/١٩٧٦