فيما يواصل الإرهاب تنقّله في عدد من الدول الغربية والاوروبية ليحطّ رحاله أخيراً في برلين، دافعاً الالمان الى اتخاذ أعلى درجات الاستنفار وتعزيز التدابير الامنية، وفيما تنشغل روسيا بتداعيات حادثة اغتيال سفيرها في تركيا التي استنكرها العالم ومعه لبنان، حضرت الأزمة السورية بقوة في موسكو أمس في محادثات ثلاثية روسية ـ تركية ـ ايرانية، وأعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أنّ بلاده اتفقت مع انقرة وطهران على توسيع نطاق وقف إطلاق النار في سوريا، تمهيداً لمحادثات سلام تضمنها الدول الثلاث في اطار «إعلان موسكو». امّا في لبنان فسُجِّلت حركة مرتفعة من الحجوزات الفندقية فيه لتمضية عطلة عيدي الميلاد ورأس السنة، واللافت انّ غالبية الحاجزين هم من الخليجيين وخصوصاً من السعوديين والقطريين والكويتيين
 

وسط هذه الاجواء، يمضي لبنان قدماً في مساره السياسي والدستوري، فتعقد حكومة الرئيس سعد الحريري، الذي عاد مجدداً الى مكتبه في السراي الحكومي الكبير بعد سنوات، أولى جلساتها اليوم في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بعد أن تأخذ الصورة التذكارية إثر عودة الوزراء «المغتربين» الى البلد، وتؤلّف لجنة لصَوغ البيان الوزاري.

وفي حين تسلك الإستحقاقات طريقها نحو الحلحلة، يبقى قانون الإنتخاب الشغل الشاغل في المرحلة المقبلة وسط السؤال عن إمكانية إجرائها وفق قانون «الستين» او إمكانية الإتفاق على قانون جديد، والذهاب نحو تأجيل تقني.

بري

وقال رئيس مجلس النواب نبيه بري أمام زواره امس «انّ تشكيل الحكومة خطوة مهمة، لكن كما عبّرت دائماً، فإنّ الخطوة الاساس والاهم للبلد ولرئيس الجمهورية ولرئيس الحكومة ولنا جميعاً هي قانون الانتخاب». وأشار في هذا المجال الى «اجتماعات متلاحقة ستعقد حول هذا الموضوع يشارك فيها خبراء من جميع الاطراف، ويفترض ان تبدأ الاجتماعات غداً (اليوم)».

وحول إمكانية الوصول الى قانون إنتخابي جديد، قال بري: «لا أنفي انّ هناك صعوبة. هناك هواجس ومواقف معروفة وأنا سأسعى بكل جهدي للتعاطي مع هذه الهواجس والمواقف بإيجابية وواقعية بغية الوصول الى ما نُنشده».

ورداً على سؤال، قال بري: «أنا طبعاً أميل وافضّل ان تعقد جلسة مجلس النواب المتعلقة بالثقة قبل رأس السنة، ولكن اذا تعذّر ذلك ففي الاسبوع الاول من السنة الجديدة».

ولدى سؤاله: هل هناك صعوبة في إنجاز البيان الوزاري؟ أجاب: «لا أتوقع صعوبات تواجه إنجازه، وفي كل الاحوال كل عقدة تَطرأ لها حل».
وقالت مصادر سياسية لـ«الجمهورية» انّ «الحكومة، بتركيبتها الحالية، لا تضمّ مجموعة تناقضات فقط، بل فيها فريق أقوى نوعا وعددا، فالاكثرية المطلوبة لاتخاذ القرارات فيها مؤمّنة، وأكثرية الثلثين مؤمّنة ايضا، وسيكون هناك ميزان قوى مُختلّ طوال عهدها.

ولذلك، يسود الاعتقاد بأنها حكومة موقتة، فعلى رغم انّ ولادتها تأخّرت الى 45 يوماً فهي تألفت على عجل وبنحو مفاجىء في زحمة تطورات المنطقة، وأبرزها معركة حلب ونتائجها على موازين القوى في سوريا ولبنان، في انتظار تطورات أخرى تعيد التوازن الأمني الذي ينعكس توازناً سياسياً».

وعن طبيعة عمل الحكومة ومهماتها، خصوصاً انّ عمرها قصير، قالت المصادر: «يجب أولاً ان يجيب عون والحريري عن سؤال: هل هذه الحكومة هي حكومة انتخابات؟ ام حكومة إنتاج؟ ام حكومة إنجازات؟

واضافت: «اذا كانت حكومة انتخابات فمعيار نجاحها هو وضع قانون انتخاب جديد وإجراء الانتخابات على أساسه، واذا كانت حكومة إنتاج فيجب إجراء اصلاحات ووضع الموازنة العامة، امّا اذا كانت حكومة انجازات فالمطلوب منها الكثير: الاصلاحات الدستورية، مواجهة الفساد المستشري، اصلاح الادارات، تنفيذ المشاريع الانمائية والعمرانية، حل أزمة الكهرباء والمياه والنفايات وشق الطرق بالانماء المتوازن، وإطلاق العجلة الاقتصادية والتجارية الى ما هنالك...».

ورأت المصادر «انّ الترحيب الدولي بولادة الحكومة طبيعي ومن حواضر الديبلوماسية، خصوصاً بعد انتخاب رئيس جمهورية عقب سنتين ونصف السنة من الشغور الرئاسي. كما انّ لدى هذه الدول مشاريع تختصّ بالنازحين السوريين في لبنان كانت مجمّدة في عهد الحكومة السابقة وتأمل ان تتحرك في عهد الحكومة الحالية».

«القوات»

واكدت مصادر «القوات اللبنانية» لـ«الجمهورية» أنّ «هوية الحكومة هوية وطنية تجسّد طبيعة المرحلة التي بدأت مع انتخاب الرئيس ميشال عون واستُكملت بتكليف الرئيس سعد الحريري وتأليف الحكومة التي تعكس توازنات المرحلة الجديدة»، ورأت انّ إعطاء توصيفات للحكومة بأنها حكومة حلب وغيرها لا يمتّ إلى الحقيقة بصِلة، فضلاً عن انّ الكلام الذي يتمّ فيه تصوير الرئيس عون بأنه يشكل جزءاً لا يتجزأ من 8 آذار يُسيء إلى رئيس الجمهورية الذي يرفض وضعه في خانة معينة، ويتمسّك بأن يكون على مسافة واحدة من الجميع و«بَي الكِلّ» كما يحبّ الرئيس أن يكون».

ورأت المصادر «أنّ الجهد الذي يُبذل لتظهير صورة مشوّهة للحكومة يَنمّ عن المأزق السياسي لهذا الفريق الذي لم يَعتَد بعد على عون الرئيس، والدليل الحملة المنظمة التي شُنّت ضد رئيس الجمهورية على خلفية خطابَي القسم والاستقلال والتزامه الدستور وتحالفه مع «القوات اللبنانية» وتخصيص الدول الخليجية بأولى زياراته بعد تأليف الحكومة».

واعتبرت هذه المصادر «انّ تصوير حصة رئيس الجمهورية وتكتل «الإصلاح والتغيير» ضمن 8 آذار لا تعدو كونها جرعة معنويات لهذا الفريق الذي يرفض الإقرار بالواقع الجديد الذي نشأ مع انتخاب عون الذي انتقل من موقع الحليف إلى موقع الرئيس، أو محاولة لإحراج الرئيس وطنياً وعربياً ودولياً».

وتساءلت: «كيف يكون الرئيس 8 آذارياً ويعلن أنّ أولى زياراته الخارجية ستكون إلى الرياض وعواصم خليجية عدة؟ وكيف يكون الرئيس 8 آذارياً ويتمسّك بخيار الدولة وتعزيزها وتقويتها؟ وكيف يكون الرئيس 8 آذارياً ويتمسّك بالشرعيتين العربية والدولية؟».

ورأت مصادر «القوات» أيضاً «أنّ التوازنات الحقيقية داخل الحكومة هي كالآتي: 8 وزراء لقوى 8 آذار مقابل 11 وزيراً لقوى 14 آذار، فيما وزيرا «الحزب التقدمي الاشتراكي» هما أقرب إلى 14 آذار من 8 آذار، وأمّا وزراء رئيس الجمهورية و«التيار الوطني الحر» فلا يمكن وضعهم في هذه الخانة او تلك».

ودعَت المصادر هذه القوى إلى «الاعتراف بالواقع الجديد والكَفّ عن إحراج الرئيس والعمل على إنجاح الحكومة بعيداً من الترسيمات الهادفة إلى تظهير بطولات وهمية وتعطيل الانطلاقة الحكومية التي يفترض أن تكون واعدة على قاعدة فريق عمل متجانس، إلّا إذا كان المقصود من وراء الكلام غير الواقعي عن رابح وخاسر، التمهيد لتعطيل العمل الحكومي بوضع الألغام في بداية الطريق».

الحوار الثنائي

وعشيّة جلسة مجلس الوزراء إنعقدت جلسة الحوار الـ 38 بين «حزب الله» و تيار «المستقبل»، في مقر الرئاسة الثانية في عين التينة، في حضور المعاون السياسي للأمين العام لـ«حزب الله» الحاج حسين الخليل، الوزير حسين الحاج حسن، النائب حسن فضل الله عن الحزب، ومدير مكتب الحريري السيد نادر الحريري والوزير نهاد المشنوق والنائب سمير الجسر عن تيار «المستقبل».

كذلك حضر الوزير علي حسن خليل. وبعد الجلسة صدر البيان الآتي: «بارك المجتمعون للبنانيين جميعاً بالأعياد المجيدة، وهنّأوا الحكومة الجديدة مُعربين عن نظرتهم الإيجابية حيال تشكيلها وآملين في أن تسارع في مهمّاتها لمعالجة الملفات الحيوية وفي طليعتها وضع قانون عصري للانتخابات النيابية تمهيداً لإجرائها في مواعيدها».

جنبلاط و«غابة الذئاب»

وبرز موقف متقدّم من رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» النائب وليد جنبلاط يكشف عن تخوّف حقيقي من قانون الانتخاب العتيد، فسأل عبر «تويتر»: «من أين خرج فجأة الشعار بضرورة قانون انتخابي يؤمّن سلامة التمثيل؟

وكأنّ النواب الحاليين لا يمثّلون أحداً»، مؤكداً «أننا لسنا لقمة سائغة لتُباع أو تشترى على مذبح التسويات». وأضاف: «كفى تنظيراً وتطبيلاً حول نسبية ملزمة آتية ولازمة وإلّا بَطل التمثيل، لسنا بقطيع غنم ليسلّم مصيره وسط هذه الغابة من الذئاب»، مضيفاً: «ميزة لبنان احترام وتأكيد التنوّع فوق كل اعتبار».

وقالت مصادر مطلعة في الجبل لـ«الجمهورية» انّ «كلام جنبلاط يتخطّى مسألة الحصص أو النفوذ داخل التركيبة اللبنانية، إذ إنّه مُطمئن الى دوره نتيجة التحالفات التي نسجها مع الرئيسين بري والحريري، ومن جهة أُخرى علاقته الممتازة مع البطريركية المارونية».

ولفتت الى أنّ «تخوّف جنبلاط الحقيقي هو من الديموغرافيا التي تهدّده في الجبل، وأيّ قانون انتخاب مهما كان يحتوي من ضمانات فإنّ الدروز عموماً والحزب التقدّمي الإشتراكي خصوصاً أصبحا غير قادرين على وَقف التمدّد الديموغرافي في الجبل».

وأوضحت أنّ «جنبلاط يضع في حساباته الإستفاقة المارونية الأخيرة التي حصلت بعد تفاهم «القوّات» و«التيار الوطني الحرّ»، ما يؤثّر على نفوذه في منطقة الشوف التي تضمّ 8 نواب (درزيان، سُنّيان، 4 مسيحيين)، إضافة الى منطقة عاليه التي تضم 5 نواب (درزيان و3 مسيحيين)، فيما ذهب المقعد الدرزي الوحيد في بعبدا ضحية الديموغرافيا المارونية والشيعية». واعتبرت «انّ النسبية ستزيد الطينة الجنبلاطية بلّة، لأنّ الحضور الدرزي سيكون مهدداً أيضاً في الجبل».

«المستقبل»

وجَددت كتلة «المستقبل» النيابية تمسّكها بصيغة «القانون الانتخابي المختلط بين النظامين الاكثري والنسبي، والذي تشاركت في تقديمه مع «القوات اللبنانية» و«اللقاء الديموقراطي» كصيغة مرحلية قابلة للتطبيق، وذلك إلى أن تزول سلطة وسيطرة منطق السلاح الميليشياوي الذي يتلاعب ويشوّه التوازنات التي يتمتع بها لبنان».

وقالت: «حينها، وحينها فقط، يمكن اعتماد نظام النسبية الكامل الذي يسمح بتمثيل مختلف شرائح المجتمع اللبناني تمثيلاً عادلاً ومنصفاً بعيداً من هيمنة السلاح غير الشرعي وتأثيراته ووهجه».

سعيد

وفي المواقف، أكد منسق الامانة العامة لقوى 14 آذار النائب السابق الدكتور فارس سعيد لـ«الجمهورية» انّ «تنظيم 14 آذار انتهى، امّا قضية 14 آذار بصفتها قضية شعب وقضية استقلال لبنان وسيادته ومعناه، فإنها لا تزال قائمة».

وشدد على أن «ليس هناك في لبنان من انتصار صاف وخسارة صافية، فعندما استشهد كمال جنبلاط لم تنتصر «الجبهة اللبنانية»، وعندما استشهد بشير الجميل لم تنتصر «الحركة الوطنية»، اليوم هناك انتصار مرحلي لـ 8 آذار، وهناك محاولة لإعادة تثبيت نظام أمني مرحلي سوري ـ ايراني. إنّ ما يجب ان ينتصر هو قضية لبنان، وغنى لبنان هو تثبيت مفهوم العيش المشترك فيه».

وأضاف: «بعيداً من توزيع الحقائب والتوازنات الداخلية داخل الحكومة وعن محاولة إقناع اللبنانيين بأنّ تشكيلة الحكومة قد أنجزت، يتأكد يوماً بعد يوم انّ ما يضيع في لبنان هو قضيته وانّ من يتقدّم عليها هو قضية ايران ونفوذها في المنطقة. فبعد سقوط حلب تتشكّل الدولة في لبنان بشروط ايران، وكأن هناك قراراً بعودة النظام الامني السوري ـ الايراني للامساك بالوضع السياسي فيه.

من هنا بات معنى لبنان المرتكز على العيش المشترك، والذي يبتعد عن فرض غلبة فريق أو حزب او طائفة على سائر اللبنانيين، ويقترب من نموذج «اتفاق الطائف» والتوازن بين جميع اللبنانيين، ينقصه اليوم قوى سياسية تحمل المشروع اللبناني، لأنّ القوى تبعثرت بين من حاول تحت عنوان البراغماتية السياسية او المصلحة الشخصية ان يلتحق بنحو مباشر ام غير مباشر بالمشروع الامني السوري ـ الايراني المستجِدّ في لبنان.

الدعوة هي اليوم الى اللبنانيين لعدم الالتفات الى الحقائب واسماء الوزراء لأن لا الحقائب مهمة ولا اسماء الوزراء مهمة، قضية لبنان وحماية السلم الاهلي فيه هو الأهم.

فعندما يُغتال السفير الروسي في أنقرة تحت عنوان حلب، فهذا يُنذر بأنّ كل المنطقة مهددة بعدم الاستقرار وبأنّ هيمنة فريق على قرار لبنان لا يساعد في تثبيت الاستقرار، بل سيدفع في اتجاه عدمه و المطلوب هو بلورة القوى السياسية اللبنانية التي عليها ان تحمل المشروع اللبناني الداخلي».

الأمن الوقائي

وفي الوقت الذي ترددت فيه تداعيات جريمة اغتيال السفير الروسي في أنقرة، سجّلت في بيروت أولى ردات الفعل على وَقع التدابير الأمنية المشددة المتخذة منذ فترة في محيط السفارة الروسية وزميلاتها الأميركية والتركية والاوروبية والعربية المعنية بالحدث السوري.

وقالت مصادر أمنية لـ«الجمهورية» انّ مجموعة من الشباب غافلت القوى الأمنية ليل امس الاول وتمكنت من كتابة بعض الشعارات على «بلوكات» الباطون المسلح المحيطة بالسفارة الواقعة على كورنيش المزرعة تدين معركة حلب وتعلن «التضامن مع الشعب السوري» وضحاياه. واضافت المصادر «انّ كاتبي الشعارات، الذين قدّر عددهم بنحو عشرين شاباً، تمكّنوا من التسلل الى الشوارع المحيطة بالسفارة وغادروا المنطقة».

وذكرت انّ التدابير المتخذة ليست مرئية بالعين المجردة ولكنها اتخذت أشكالاً عدة تضمن الأمن الوقائي للسفارة الروسية وطاقمها،كذلك بالنسبة الى بقية البعثات الديبلوماسية الموجودة في لبنان، وهو أمر تعهّده لبنان سابقاً وملتزم به تجاه السفارات كافة».