تمهيد:

لم يتواجه العملاقان السوفيتي (قبل زواله) والأميركي خلال الحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية منتصف القرن الماضي وجهاً لوجه، فمرّت أزمة خليج الخنازير الكوبية مطلع ستينيات القرن الماضي بسلام بعد أن وقف العالم بأسره على حافة حرب نووية لا تُبقي ولا تذر، وبعد ذلك كانت الحروب الباردة بالواسطة دون تماسّ مباشر ،في فيتنام، في الشرق الأوسط، في أفغانستان، كانت الشعوب الضعيفة مُنهكة القوى هي التي تدفع الأثمان البشرية مع دمار بلدانها وخرابها، ولم تخرج الحرب الباردة عن مسارها بين الجبارين، رغم اشتعال سباق التّسلح النوويين من حين لآخر، وانتهت هذه الحقبة بزوال الاتحاد السوفيتي وسيادة القطب الأميركي الأوحد لأكثر من عقدٍ من الزمن، حتى نفضت روسيا عن أدرانها غبار الانعزال والانكماش وعادت للعب الدور الذي حافظ عليه الاتحاد الغابر في مناكفة الهيمنة الأميركية، وإن كان الأمر اليوم باستراتيجية جديدة وايديولوجية مغايرة.

أولاً: شمال سوريا..تماس العملاقين الخطر

لأول مرّة يتواجد الروس والأميركيون في تماسّ مباشر على أرض سوريا الشمالية، بنشاط حربي واضح وجلي عبر سلاح الجو لكلا الطرفين، وفي حين يدعم الروس نظام الأسد في سوريا، يدعم الأميركيون النظام العراقي ويميلون إلى تلبية المطامح الكردية، مع الاحتفاظ بمعادلة متوازنة دقيقة في سوريا لا تسمح بسقوط النظام قبل الاطمئنان على الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي، وحماية المصالح الأميركية (بالطبع) في العراق وسوريا وتركيا ولبنان، واسرائيل طبعاً. وهذا التّماسّ خطر وخطر جدّاً، فأيّة شرارة يمكن أن تُشعل المنطقة بأسرها وتقود إلى مواجهة مفتوحة بين العملاقين، وقد أعدّ الروس العدّة لذلك غداة تسرُّب بعض الأخبار الواردة من واشنطن تفيد بأنّ أميركا قد تتحرك عسكريا ضد دمشق لإعادة التوازن المفقود في حلب لصالح الروس والنظام، فنقلوا أنظمة دفاع جوي متطورة، فضلا عن المباشرة بإقامة قاعدة عسكرية دائمة في طرطوس.

ثانياً: الدماء العربية والكردية وقود المواجهة

حتى الآن ،ومنذ اندلاع الأحداث السورية الدامية، ما زالت الدماء العربية في المقام الأول هي التي تُسفح على مذبح مواجهة العملاقين، وتأتي بعدها الدماء الكردية، بالإضافة لدمار مقدّرات شعوب ضعيفة في الأساس، فكيف وهي تواجه آلة عسكرية طاحنة، وهاهي نبوءة غونداليزا رايس تتحقّق فينشأ على أنقاض الحرب الطاحنة شرق أوسط جديد ،لكنّه مُفكّك، مُدمّر ، هشّ وضعيف، ينتظر بفارغ الصبر جلاء الحروب المرعبة، وظهور الخرائط الجديدة قبل أن تفتك الحروب بمن ظلّ صامداً في أرضه، ولم تُسعفه الظروف في ركوب البحر بعد أن سدّت تركيا منافذ التدفق البشري نحو أوروبا، يبقى أنّ المنطقة العربية في وضع كارثي، إلاّ أنّ وضع العالم وحتى إشعارٍ آخر، وبسبب تماسّ العملاقين ليس آمناً، ولا يمكن له أن يطمئن طويلا على أمنه وسلامته طالما آلة الحرب الروسية- الأميركية تعمل بكامل طاقتها في شمال سوريا.