اعتبر سفير روسيا في الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، أن السلام في سوريا أصبح "مهمة شبه مستحيلة الآن"، وذلك في كلمة له أمام مجلس الأمن الدولي، في حين وصف وزير الخارجية الأميركي جون كيري، نظيره الروسي سيرغي لافروف بـ"الكاذب" في إطار تبادل البلدين الاتهامات بشأن انهيار الهدنة في سوريا.


وقال تشوركين في الجلسة الطارئة التي تعقد لمناقشة التدهور المخيف للأوضاع في سوريا، إن "روسيا لا تعرف كيف تتعامل مع الجانب الأميريكي بشأن سوريا لأنهم يغيرون كلامهم دوماً". واتهم المسؤول الروسي الولايات المتحدة بأنها "تقدم الدعم لجماعات إرهابية في سوريا، وتمدها بالسلاح".

"لافروف كاذب"

مسؤولو الولايات المتحدة ردوا على الاتهامات الروسية، وفي موقف لافت توجه وزير الخارجية الأميركية جون كيري إلى نظيره الروسي سيرغي لافروف، وقال بغضب بادٍ عليه: "استمعت إلى زميلي من روسيا ونوعاً ما شعرت قليلاً بأنهم إلى حد ما يعيشون في عالم مواز هنا". ووصف كيري عبر طاولة مجلس الأمن، لافروف، بأنه "كاذب" لإلقائه اللوم على الولايات المتحدة بإفساد الهدنة.

ولخصت هذه اللحظة من بعض نواحيها الفترة التي قضاها كبير الدبلوماسيين الأميركيين في منصبه والتي ستنتهي مع تأسيس إدارة جديدة تتمخض عنها الانتخابات الأميركية في يناير كانون الثاني من العام المقبل.

وهذه ليست المرة الأولى التي يستثمر فيها كيري، أشهراً من الدبلوماسية المكثفة والسفر المحموم في قضية ما لينتهي به الأمر بالشعور بالخذلان أو الخداع من شركائه في التفاوض. وفي المسألة السورية كان كيري يرغب في انخراط أميركي أكبر مما كان الرئيس باراك أوباما ينوي دعمه. وفي مقابلة مع وكالة "رويترز"، يوم الجمعة الفائت، قال كيري إن "التعتيم الصارخ للواقع (من قبل لافروف) خطف أنفاسي".

طموح كيري

وجسدت محاولة إرساء الهدنة في سوريا أكبر طموح لكيري لإصلاح ما اعتبره البعض أكبر إخفاق للسياسة الخارجية لإدارة أوباما، والذي بدأ بفشلها عام 2013 في متابعة تهديداتها حتى النهاية ضد بشار الأسد لخرقه "الخطوط الحمراء" واستخدامه الأسلحة الكيميائية. وتوصل كيري إلى إبرام الهدنة قبل أسبوعين، لكن انتهى به الأمر بمناشدة روسيا وقف الغارات الجوية المتجددة على مدينة حلب السورية.

وسلط جيمس دوبنز المبعوث الأميركي الخاص السابق إلى أفغانستان الضوء على "انخراط كيري الدؤوب من دون كلل" في مهامه حتى عندما كان ينفذ سياسات لا تتفق مع وجهات نظره.

ودوبنز دبلوماسي مخضرم عمل إلى جانب كيري عام 2013 في إبرام اتفاقية مع الرئيس الأفغاني حامد كرزاي لإبقاء القوات الأميركية في بلاده. وقال: "استمر كيري وهذا أمر يحسب له في اللعبة حتى عندما كان موقفه ضعيفاً". وأضاف: "الوضع في سوريا خطير ومترابط إلى حد لم يتمكن معه ببساطة من التراجع وتركه لغيره. فمن وجهة نظر كيري كان من الأفضل الإخفاق من عدم المحاولة".

وقال كيري لـ"رويترز": "وجه القصور الأكبر سيكون مواجهة جولة جديدة من المهاجرين الراغبين في التوجه إلى أوروبا. أن يفعل (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين ما يريده عبر رمي القذائف وألا تفعل الولايات المتحدة شيئاً إلا الادعاء بأننا نرسل بعض العون للناس". وأضاف: "هذا هو أضعف الإيمان وسيكون (موقفنا) أقوى بكثير لو وقفنا وبحثنا عن طريقة زيادة (الضغط) للوصول إلى طاولة (المفاوضات) والتوصل إلى نوع من التفاهم."

ركوب المخاطر

وقطع كيري خلال فترة توليه لمنصبه التي قاربت الأربع سنوات مسافات جوية أكثر من أي وزير خارجية آخر، حتى أنه بدا في بعض الأحيان وكأنه يسارع للتدخل من دون استراتيجية واضحة. وقال دوبنز "من الواضح أن كيري استعد للمخاطرة بسمعته أكثر من الباقين. لأنهم لا يريدون أن يرتبط اسمهم بالإخفاقات". لكن بعض المنتقدين لكيري يجدون أنه استمر لفترة أطول من اللازم في التفاوض مع روسيا التي استغلت وفق ما يقولون سعيه للتوصل إلى اتفاق بشأن سوريا لتقوية موقفها.

وواجه كيري في النزاع السوري بقواه الجيوسياسية المتغيرة وتحالفاته الجديدة المعقدة والمخاطر الجديدة الناتجة عنه مثل صعود تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) اختباراً لقدراته أكثر من أي موضوع آخر.

وقال كيري لـ"رويترز" إنه بعد رفض أوباما تنفيذ تهديداته وشن هجمات على قوات الأسد نتيجة لاستخدام النظام الأسلحة الكيميائية "لمس فتحة نفذ منها إلى الروس للعمل مع لافروف على أن يسلم الأسد ترسانته الكيميائية".

واعتبر الاتفاق الذي أبرم بهذا الشأن عام 2013 نجاحاً لكن الحرب ازدادت سوءاً باضطراد مذاك وبات الوضع أكثر تعقيداً مع تدخل روسيا العسكري دعما للأسد في العام الماضي. وحاليا يعتبر البعض استمرار كيري في الضغط لاستئناف الهدنة بأنها إيماءات لا طائل منها.

وقال معتصم السيوفي وهو أحد شخصيات المجتمع المدني في سوريا الذي التقى كيري في نيويورك الأسبوع الماضي "خطة كيري هو أن يقوم فعل بالمزيد مما يفعله الآن على الرغم من الفشل المتكرر للمحاولات الأميركية لإبرام اتفاق مع روسيا".

المبالغة في مد اليد

وهذه ليست المرة الأولى التي يُتهَم فيها كيري بالمبالغة في سياسة مد اليد. ففي بداية عهده عام 2013 سعى وزير الخارجية الأميركي بشدة لإبرام اتفاقية سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وعلى الرغم من تلقيه تحذيرات من الفشل إلا أن كيري لم يتوان عن التنقل لأشهر بين رام الله والقدس.

وأدى إعلان إسرائيل بناء 700 وحدة استيطانية جديدة في الأراضي التي يطالب بها الفلسطينيون ليقيموا عليها دولتهم المستقبلية إلى انهيار المفاوضات، على الرغم من أن إسرائيل ألقت باللوم في ذلك على سعي الفلسطينيين للانضمام إلى 15 معاهدة وميثاق دولية.

وحقق كيري أكبر إنجازين له عام 2015 بالتوصل إلى اتفاقية نووية مع إيران واتفاقية التغير المناخي. وفي الحالتين حاز على دعم أوباما الكامل وقيادته للعب دور أميركي واضح للغاية على الرغم من تعرض الاتفاقيتين للذم في الأوساط السياسية الأميركية الداخلية التي يسودها الاستقطاب. وتسبب فشل محاولة كيري الثانية في إبرام اتفاق هدنة في سوريا في الأسبوع الماضي بانطلاق موجة جديدة داخليا من النقد اللاذع لسياسة الإدارة الأميركية الحالية في سوريا.

ووصف السيناتور الجمهوري جون مكاين كيري بأنه "مقدام لكنه مليء بالأوهام" لقناعته أكثر مما ينبغي بإمكانية التعاون مع الروس. ولا ينوي كيري الذي خسر الانتخابات الرئاسية أمام جورج بوش الابن عام 2004 الترشح للمنصب مرة ثانية وغالبا ما صرّح بأنّه ليس ثمة ما يخسره.

وبعد ساعات من تبادل التصريحات المتوترة في مجلس الأمن التقى لافروف وكيري مجدداً. وكان الدبلوماسي الروسي قد جلب معه اقتراحاً جديداً لوضع الهدنة في مسارها من جديد لكن كيري نظر إلى الورقة وأحكم طيها قبل أن يحشرها في جيب سترته الأعلى.

(هافنغتون بوست)