أولا: هاجس تبرئة الإسلام من العنف...

لا يزال بعض "الإسلامويين" يعتقد أنّه يمكن تبرئة الإسلام من "تهمة" العنف المخزون في ثنايا العقيدة الإسلامية وسُنَنِها بالقول بأنّ العنف والإرهاب ملازمان لديانات سماوية وأرضية وعلمانوية ووثنية، وأنّ البشرية لم تسلم من الحروب والمجازر على امتداد تاريخها، قبل الكتب المقدسة والانبياء وبعدهم جميعاً، وهذا صحيح، وثابت، ومُؤرّخ، ولكن هذا لا يُعفي من التصدي لظاهرة العنف المنفلتة هذه الأيام من عقالها في البلاد الإسلامية، ويعتنقُها "مسلمون" مجاهدون اشدّاءُ على الكفار، أشداء فيما بينهم. ولا شكّ أنّ البوذيين اطلعوا على تاريخهم، وعاينوا ما اعتراهُ من عنف، وحاولوا إصلاحهُ ما أمكن، وأوروبا التنوير والحداثة كنّست بقايا القرون الوسطى بمحاكمها وباباواتها وملوكها، وتخلّصت سريعاً من مخازي وجرائم الستالينية ةالنازية، وأفرزت أفضل ما أنتجتهُ الإنسانية في العلوم والفلسفة والسياسة والإقتصاد، ويكفيهم فخراً أنّ الديمقراطية الليبرالية ترسّخت وأنتجت أفضل ما عندها وهي الدولة الديمقراطية الليبرالية، التي وفّرت أفضل السُّبل للإستقرار السياسي، ورعاية حقوق المواطنين، السهر على نُموّها وازدهارها، في حين ما زالت بلادنا "الإسلامية" ترزح تحت أعتى الديكتاتوريات، وتفتقد لأبسط مقتضيات الديمقراطية، ناهيك عن بؤس المؤسسات التعليمية والقضائية والأمنية.

ثانياً: ماذا بقي من الدين الدين الإسلامي؟

لو بقي دِينٌ، لحاولنا الدفاع عنه، دين تسامح ومكارم أخلاق، وفكر حر ومنفتح على آخر ما توصلت إليه الحضارة الإنسانية، دين سلام ووئام مع الذات ومع الآخر. ولكن ما بقي للأسف، ظاهرة دينية تشظّت بين المذاهب والأحزاب والحركات السياسية الأصولية، ظاهرة لم تعد ديناً أرسى دعائمه الأصوليون وعلماء الكلام والحديث وأصول اافقه، أضحى ظاهرة تحولت وتردّت وانحطّت تحت ضغط ما يمكن تسميته بالحركات "الشعبوية"، والني غالبا ما توصم بالتطرّف، وهذه هي حال الظاهرة الدينية في الغرب الأوروبي على كل حال، لكنّها هناك محاصرة ومراقبة، أمّا عندنا فقد تحولت إلى هذيان جماعي يحمل فب طياته الموت والخراب، وهذا لا يعفي من المسؤلية أيها الباحثُ الكريم، فإذا كان الغرب قد أُصيب بالإسلاموفوبيا، فحريٌّ بالمسلمين أيضا، أن يُصابوا بهذا المرض الخبيث والمُعدي. والباحث عليه أن يعود إلى جذور الإسلام ليتحرّى العلّة، بدل التغّني بمخازي الآخرين وعنفهم ومجازرهم، عليه أن يعود إلى العهد القديم، لإله التوراة، الإله القاسي والجبار والمهموم دوما بشعبه المختار، فيدعوهم لسفك الدماء بلا هوادة، وتطهير الإرض من رجس "الأغيار".

نعم على الباحث المهموم بما وصلت إليه أحوالُ "ديانته" و"قومه" أن يجتهد في الكشف عن المضامين الحقيقية للوعي الديني لدى الأتباع الأُول لنبي الإسلام والمسيحية اليهودية، والمضامين الحقيقية لوعي الخوارج الأشداء، الزيدية والإسماعيلية و"إسلاميي" اليوم الذين يزرعون الرعب والدمار في كلّ مكان تطالُه أيديهم، وان يعرج على محاكم التفتيش في القرون الوسطى، وعصابات الأراغون اليهودية في العصر القريب، فإذا لم نعد للماضي البعيد، لن نتمكّن من إضاءة التاريخ القريب، فأبو بكر البغدادي عاد لأيام الخلافة الأولى، خلافة ابي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، والخميني رأى ان يقوم بدور الإمام الغائب منذ أكثر من ألف عام، فلا ضير أن يعود الباحث ليُشير لنا، ولو من بعيد، على جذور الظاهرة الرهيبة، التي يدعونها: الإسلاموفبيا، بدل التباري مع الغير في مقدار العنف ومنسوبه، عندنا وعندهم.