«داعش» ليس جسماً غريباً عن المنطقة التي يقيم فيها. الوقائع تكشف يوماً بعد يوم أن التنظيم الإرهابي جزء من شبكة علاقات مكثفة وصلبة تربط الجماعات الأهلية والسياسية والاجتماعية والمذهبية بعضها ببعض. هو كذلك ليس كبنية تنظيمية، انما كوظيفة أمنية وعسكرية أيضاً. فالعنف إحدى وسائل التبادل بين الجماعات الأهلية، ولطالما نُسجت العلاقات بين هذه الجماعات وفقاً لما يمليه هذا العنف من توازنات.

 

 

تحضر هذه المعادلة إذا ما راقب المرء دفق الانتحاريين المفاجىء عبر الحدود اللبنانية، وتحضر أيضاً في تدفقهم إلى مطار أتاتورك في اسطنبول، وفي العملية التي نفذها التنظيم ضد موقع للجيش الأردني قبل نحو ثلاثة أسابيع على الحدود السورية الاردنية، والعمليات الثلاث هذه كانت درة عمليات التنظيم الإرهابي هذا الشهر خارج العراق وسورية.

 

 

والحال أن الذهول الذي أصاب اللبنانيين نتيجة تنفيذ «داعش» ثماني عمليات انتحارية في يوم واحد وضد هدف واحد هو بلدة القاع الحدودية، والمخاوف والاشاعات التي أعقبت هذه العمليات، حالت دون طرحهم سؤالاً لا يمكن تفسير ما جرى من دونه، وهو: ماذا اخترق العناصر الانتحاريون حتى وصلوا إلى أهدافهم في القاع؟ من المفترض نظرياً أن هناك طوقين يحولان دون وصولهم من مواقعهم في الجرود إلى البلدة. الطوق الأول طوق حزب الله الذي من المفترض أنه توجه للقتال في سورية لـ «منع وصول الإرهاب إلى لبنان»، وهذا عملياً يعني في حالة الكارثة التي حلت ببلدة القاع، أن مواقع الحزب في الجرود اختُرقت من جانب انتحاريين كشفت العمليات التي نفذوها أنهم غير محترفين، وأن فعلتهم مرتجلة، وأن القوة الوحيدة التي يتمتعون بها تتمثل في عزيمتهم على الموت السهل والعادي. وهذا علماً أن المساحات التي يتحرك فيها التنظيم في تلك الجرود ليست شاسعة اذا ما قورنت بالمساحات التي يتحرك فيها في الصحراء وفي البادية السورية.

 

 

أما الطوق الثاني الذي اخترقه انتحاريو «داعش» فهو مواقع الجيش اللبناني داخل الحدود اللبنانية، وهذه المواقع من المفترض أيضاً أن تكون محصنة حيال احتمالات الاختراق، لا سيما أننا نتحدث عن منطقة سبق أن شهدت محاولات نجح الكثير منها في الوصول إلى أهدافه!

 

 

أما الجديد الآن والذي يدعو إلى الريبة في أسوأ الاحوال، وإلى الخوف في أحسنها، فهو أن الانتحاريين كانوا هذه المرة قطعاناً وليسوا أفراداً، وانتقالهم من الجرد واختراقهم طوقي «الأمان» اللبنانيين يتطلبان مواكبة لوجستية وربما عربات وسيارات، وفراغاً يبدو أنه توافر لهم. ثم لماذا علينا أن نستبعد نظرية «الفراغ الخلاق» الذي سبق أن اختبره قاسم سليماني في الموصل لحظة سقوطها بيد «داعش».

 

 

ولبنان الذي لطالما استدخل أي حدث سياسي في ماكينة أزمته الأهلية، سرعان ما استدخل الكارثة التي حلت ببلدة القاع متناسياً المسؤولية السياسية والأمنية عن الفشل الذي عكسته. فسريعاً ما استُهدف اللاجئون السوريون بـ «هبة» وطنية مشحونة بمشاعر الكراهية، وسريعاً ما تلقف حزب الله العمليات بصفتها دليلاً على صحة خياره في القتال في سورية، بدل أن يُشكل نجاح الانتحاريين في الوصول إلى البلدة دليلاً على فشل هذا الخيار!

 

 

وبين سهولة وصول الانتحاريين غير المحترفين إلى أهدافهم وسرعة التوظيف، على المرء أن يُبقي احتمالات التواطؤ على افتعال الفراغ ممكنة. فالمنطقة أمنية بامتياز، ومن المفترض أن تكون مراقبة بقوة، والعملية كانت كبيرة وسهلة. والجماعات الأهلية والمذهبية غير مترفعة عن شيء. ونحن بعد واقعة التواطؤ الكبرى والجلية عندما سُلمت الموصل قبل سنتين علينا أن نحك رؤوسنا دائماً.

 

 

كشفت «نيويورك تايمز» قبل أيام، أن رصاصة استقرت في جسم جندي أردني خلال عملية الرقبان على الحدود مع سورية، تم تحليل مصدرها ليُكتشف أنها جزء من ذخيرة غربية كانت وصلت إلى الأردن بهدف تزويد فصائل سورية موالية للغرب وتم بيعها قبل أن تصلهم، ويبدو أن «داعش» من اشتراها. وهذا كاشف لانخراط «داعش» في شبكة علاقات تحتية لطالما ربطت بين جماعات المنطقة وتشكيلاتها العشائرية والأمنية والجغرافية.

 

 

والفساد جزء من هذه العلاقات، وهو يخترقها على مختلف مستوياتها، وأي ادعاء براءة من التنظيم يُمكن دحضه بالكثير من الوقائع التي تجري على الأرض والتي تتحدث عن علاقات «عادية» تربط «داعش» بنظام الحياة الاجتماعية والسياسية والأمنية. وهنا تحضر أكثر فضيحة معمل لافارج للاسمنت الفرنسي في منطقة شمال شرقي سورية، والذي بقي يعمل بإدارته تحت سلطة «داعش» بعد أن دفعت الشركة مستحقاتها للتنظيم، وتمت ادارة العلاقة بين إدارة المعمل والتنظيم عبر مدير يقيم في دمشق، بحيث تولى دفع الضرائب من هناك لـ «داعش»، بينما كانت ادارة المعمل في فرنسا تدفع ضرائبها أيضاً للسلطات الفرنسية! وهذه وقائع وثقتها أيضاً جريدة «لوموند» الفرنسية.

 

 

السنوات الأربع الأخيرة من عمر التنظيم، وهي سنوات ازدهاره وإقامته سلطته الواسعة في العراق وفي سورية، كانت كثيفة الوقائع حيال فصام في العلاقة بين التنظيم الإرهابي والإقليم كله. درجة عالية من «الواقعية» الفاسدة والقاتلة مارسها مختلف القوى والجماعات حيال «داعش»، في مقابل خطاب أبلسة للتنظيم وذهول من أفعاله وارتكاباته. واليوم يبدو أن استحقاق دفع الأثمان بلغ ذروته. فتركيا التي كانت بوابة «الهجرة» الأولى إلى سورية لن تنجو من تبعات وظيفتها هذه، ولبنان الذي نقل حربه الأهلية والمذهبية إلى سورية سيكتشف، وهو بدأ يكتشف، أن سكوته عن مهمة حزب الله هناك، أدخله في أتون موصلوي (نسبة إلى الموصل) يصعب معه تمييز الفشل عن التواطؤ في ظاهرة تدفق الانتحاريين عبر حدوده.

 

 

واذا كان صحيحاً أن ساعة هزيمة «داعش» قد دقت، فإن أسرار «دولة الخلافة» في حال انهيارها ستتكشف لنا عن تنظيم لم يكن يوماً إلا جزءاً من حروبنا الأهلية والمذهبية، وأن لا أحد بريئاً.