يوصف بأنه رجل إيران الغامض، فهو خزانة متنقلة للأسرار يرفض أن يبوح بها بعدما طُرد من الحكم، وأصبح منفياً، ولكنه لا يخفي أنه زار إسرائيل مفوضاً من الدولة الإيرانية، عكس ما تعلنه طهران رسمياً بعدم الاعتراف بإسرائيل.

 

إنه د. شاهين دادخواه، مستشار الرئيس حسن روحاني خلال فترة رئاسته للمجلس الأعلى للأمن القومي بإيران، وعضو مؤثر في الوفد الإيراني في المحادثات النووية مع الغرب، إبان فترة الرئيس الأسبق محمد خاتمي (1997-2005).

وحالة دادخواه ليست الوحيدة، فهناك المسؤول المنشق سید مصطفى میرشفیعي الذي سبق أن حاورته "هافينغتون بوست" بعدما فر إلى تركيا، وكلاهما يمثل نموذجاً للصراع بين المسؤولين، ويشير للانقسامات العميقة داخل إيران.

"هافينغتون بوست" حاورت دادخواه الذي يعد بمثابة صندوق أسود للدولة الإيرانية المحاطة بالعديد من الأسوار، عن أسباب اعتقاله السابق، والرسائل التي نجح في تسريبها من سجنه، وعن أجهزة الاستخبارات الإيرانية، ومدى قدرتها على إيقاف الأقمار الصناعية السعودية بالمنطقة، وملفات سياسية أخرى.

الاعتقال المفاجئ مطلع 2010

 

كان عمره 19 عاماً، عندما التحق شاهين دادخواه بنظام استخبارات الدولة الإيرانية، الذي يوصف بأنه حديدي، وكان ذلك في بداية الثمانينات، رغم أنه لم يكن مسلحاً بالتشدد الديني والحماسة الثورية كما كان يقتضي الأمر، وصنع سمعته كرجل قوي وتكنوقراطي، ما أتاح له أن يستمر في عمله في وظائف أمنية حساسة، منها عمله مستشاراً أعلى لوزارة الأمن والاستخبارات الإيرانية عام 1999.

لكنه تعرض مطلع عام 2010 لاعتقال مفاجئ، حين كان عضواً في مركز الأبحاث الإستراتيجية التابع لمجلس تشخيص مصلحة النظام، بوصفه خبيراً في شؤون الشرق الأوسط، ولكن أليس لهذا المنصب حصانة من المحكمة بموجب القانون؟

يقول دادخواه إنه "لا يوجد لأحد في إيران حصانة من المحكمة، إلا لآية الله خامنئي المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية. وسبق أن شهدنا على مدى العقدين الماضيين عدداً من مسؤولين رفيعي المستوى خُلعوا من مناصبهم أو تقاعدوا جراء تهم سياسية".

هل كان الأمر مفاجأة كاملة، أم كانت السلطات تراقبه وزملاءه في القضية قبل الاعتقال؟ يرد بأن "كل من يعمل في مراكز البحوث الإيرانية يخضع للمراقبة المستمرة عبر الأجهزة الأمنية، التابعة لوزارة الاستخبارات والجيش، حتى أن اختيار أعضاء تلك المراكز لا يتم إلا بعد موافقة قوت الأمن".

في تلك الفترة تمت التضحية بعدد من أعضاء "مركز الأبحاث الإستراتيجية" التابع لمؤسسة "مجمع تشخيص مصلحة النظام" برئاسة هاشمي رفسنجاني، بتهمة التجسس لصالح الغرب، منهم شاهين دادخواه الذي حصل على الدكتوراه في العلاقات الدولية من إسبانيا، ولكن انتهى الأمر به إلى قضاء 4 سنوات و9 أشهر في السجن وهو يقيم الآن في تركيا.

من مجلس الأمن القومي لسجن إيفين

 

في مطلع 2010 وجهت وزارة الأمن والاستخبارات إلى شاهين دادخواه وآخرين اتهامات بالتجسس، وعاقبته محكمة الثورة بالسجن 5 أعوام، أمضاها في سجن إيفين الرهيب، المعروف باستضافته للمعارضين وسجناء الرأي، حتى غادره في كانون أول 2015.

ومن زنزانته وصل صوته إلى الرأي العام الإيراني لأول مرة، عبر رسائله التي لم يتوقف عنها إلا بعد إطلاق سراحه. فهل كانت رسائله أملاً في عدالة يفتقدها، أم كانت سعياً لكشف معلومات سرية، وتسجيل وقائع بعينها في صفحات التاريخ؟

يقول شاهين دادخواه، إن السبب هو مزيج من كل هذه الدوافع، "كنا في مركز الأبحاث الإستراتيجية معارضين لسياسات حكومة أحمدي نجاد واستمرت هذه الاعتراضات في السجن. ومن ناحية أخرى كان ينبغي أن يطلع الرأي العام على بعض الأحداث، ورسائلي من السجن كانت في هذا الإطار، وجمع بعض أصدقائنا في جامعة طهران تلك الرسائل في سلسلة مسماة: شاهين دادخواه من المجلس الأعلى للأمن القومي إلى سجن إيفين، ومن ثم قاموا بنشرها".

التعذيب الجسدي والنفسي في السجن

 

البعض يتصور أنه كانت هناك فرصة لتغيير نظام السلطة في فترة ما بعد خاتمي الذي انتهت ولايته عام 2005، وكان يوصف بأنه إصلاحي في مواجهة التيار المحافظ المتزمت.

لكن دادخواه يقول في حواره مع "هافينغتون بوست"، إن بنية السلطة في إيران ليست على يد واحدة، والمعارضة اليوم أقوى بكثير مما كانت عليه من قبل. وإذا لم يلتزم النظام بالحفاظ على حقوق المدنيين "فلن يستطيع البقاء في الحكم، خاصة أن ظروف حكومة روحاني الذي اختار شعار: الاعتدال والأمل، تختلف عن ظروف حكومة الإصلاحات لخاتمي"، فكل منهما نشأ في ظروف سياسية مختلفة، حتى الوضع الدولي يختلف تماماً في الفترتين.

ورغم أن أنظمة أجهزة الاستخبارات لا تسمح عادة للعامل فيها أن يعتزل تماماً، بل لا بد أن يستمر في عمله بطريقة أو أخرى، فإن دادخواه لم يتعاون مع الاستخبارات الإيرانية بعد خروجه من السجن.

ويرد الرجل الغامض قائلاً: "لم أتعاون معهم أصلاً من البداية، لو تعاونا مع المسؤولين ما فتحت علي وعلى زملائي في العمل كل هذه الملفات المزورة وما أقيمت هذه المحاكمات الصورية".

يضيف: "التعذيب الجسدي والنفسي الذي تعرضنا له في السجن يدل بوضوح على عدم تعاوننا معهم. وجميع القرارات والإجراءات التي اتخذتها وزارة الاستخبارات خلال فترة حكومة أحمدي نجاد كانت سياسية، وتمليها مؤسسات السلطة".

المعروف أن دادخواه بدأ مهنته الأمنية والدبلوماسية في فترة التراجع النسبي للخطاب الثوري في حكومة خاتمي، ما أتاح الفرصة للمتخصصين للصعود، وفي مثل هذه الظروف انضم إلى المجلس الأعلى للأمن القومي وفريق معالجة الاتفاق النووي في عهد خاتمي، في السنوات التي حققت إيران تجربة ناجحة في التوازن والتوفيق بين الخطاب الوطني المستقل والتعامل مع الغرب.

حقيقة الجاسوسية والعمالة للخارج

 

بالإضافة إلى عمله في الداخل، فقد شارك دادخواه في مشاريع سياسية في الخارج كالمفاوضات سرية مع أميركا وإسرائيل التي تحاول طهران إخفاءها، بل إن "إمعانها في التنصل منها بعد رفع لثام الكتمان عنها أدى إلى التضحية بالمندوبين والمبعوثين الذين شاركوا في تلك المفاوضات بعد انتهائها"، بحسب ما يذهب إليه دادخواه.

سألنا الرجل الذي يجيد لغات أجنبية متعددة، منها الإنكليزية والفرنسية والتركية، بشأن الاتهامات بنقل معلومات للخارج أثناء فترة عمله، عن طبيعة هذه المعلومات، التي نقلها، تعمداً أو سهواً، للأجانب وكانت حساسة للمحققين.

فأجاب دادخواه: "كانت جميع مفاوضاتنا في إطار محدد مفسر من قبل المجلس الأعلى للأمن القومي ولا يمكن لأي أحد أن يتفاوض خارج هذا الإطار مع دولة أخرى. وكل هذه الاتهامات سياسية وتمت تنفيذاً لإرادة بعض المؤسسات الحكومية والفرق السياسية التي كانت لها يد طولى في وزارة الاستخبارات. وفي أكثر الحالات ماكان يعرف المحققون أنفسهم ماذا يريدون منا، لأنه ما كان لديهم خبرة كاملة في هذا المجال".

لكن دادخواه أصبح قليل الكلام مقارنة بما كان في السجن، مع أنه الآن خارج السجن والبلاد، ولديه حرية أكثر مما كنت من قبل. ويقول معلقاً على ذلك: "كل ما كان من الضرورة في نظري كتبته في مقالاتي من قبل. هناك لكل أنظمة في العالم توجد أسرار وما دامت هذه الأسرار تحت إطار المنافع القومية لا بد أن تحفظ ولا تكشف من قبل الأفراد".

وأضاف: "كل ما قلته حتى الآن بشأن الانتهاكات الحكومية كان تحت إطار نظام الدولة وكان هدفي من كشفها عرض هذه القضايا وحلها. هذه الأسرار كانت مرتبطة ببلدنا فقط. كما قلت، لكل دولة أسرار وتحاول أن تبقى تلك الأسرار بموجب القانون سرية غير مكشوفة".

أسطورة النظام الأمني الإيراني

 

المحافظون والمتشددون في إيران ومنهم حسين شريعت مداري، اعتبروا أن كشف المعلومات من قبل بعض الأفراد مثل دادخواه كان لمصالح شخصية فقط، فهل يعتقد الرجل أن ما فعله كان لصالح المجتمع الإيراني؟ وهل قيام الموظفين الحكوميين الذين قال في رسائله إنهم نقلوا المعلومات السرية للأجانب، كان مقابل النقود أم عن قناعة عقدية؟

يرد "لا يبالي سياسي جاد بأقوال حسين شريعت مداري، ولم تكشف معلومة من قبل هؤلاء. وكل ما قلت وكتبته في مقالاتي عنهم كان عن انتهاكاتهم التي ارتكبوها وكتبت تقريراً حول هذه الانتهاكات حتى تهتم بها الحكومة وتحققها".

يضيف: "ما فعله أمثال حسين شريعت مداري يعد تساهلاً استخباراتياً لا كشف أسرار الدولة. أعني عدم وجود الخبرة الكافية لأمثالهم أضر بالمصالح القومية".

وفقاً لما سبق أن قال دادخواه لم يتم القبض حتى الآن على منفذي اغتيال العلماء النوويين، وصار عدد من الأبرياء ضحايا بدل المنفذين الأصليين. فسألناه هل الحديث عن قوة الأجهزة الأمنية في إيران كذبة يتم الترويج لها؟

يقول دادخواه: "وقع كثير من هذه الاغتيالات بسبب تساهل أعضاء مجلس الأمن القومي خلال فترة حكومة أحمدي نجاد، فلم يكن لدى المسؤولين الكبار للأمن القومي من الخبرة الكافية التي تؤهلهم للعمل في هذه المناصب ومن ناحية أخرى أسس الحرس الثوري الإيراني مؤسسة استخباراتية لإضعاف وزارة الاستخبارات التابعة للحكومة بل أقوى وأكبر حجماً منها، وملأ الجو السياسي عموماً الفراغ المهني والخبرة".

ويضيف: "دادخواه إلى ذلك ما يصفه بكذبة الاستقرار السياسي والأمني في إيران، قائلاً إنه، وعلى خلاف ما يبدو في الظاهر، لن يستمر الاستقرار الأمني في إيران. والفرق الأساسي في الاستقرار الأمني بين إيران وسائر الدول في منطقة الشرق الأوسط يتعلق بأنه ليس للأكراد المتطرفين وداعش مكانة اجتماعية في إيران".

لكن كيف نفسر إذن حديث حيدر مصلحي الوزير السابق للأمن القومي في حكومة أحمدي نجاد، بأن لوزارة الاستخبارات يداً طولى على معارضة الحكومة خارج البلاد؟

يرد دادخواه "ليست لنا معارضة قوية جادة خارج البلاد، واعتقد أن السيد حيدر مصلحي ينظر إلى القضية من منطلق الثناء والمدح الخادع ، فلقد كان مشروعه غوغائياً غير واقعي وطرح لتبرير ضعف النشاطات الاستخباراتية في تلك الفترة".

ومما يلفت النظر في هذه المشاريع أنه تم إلقاء القبض على أكثر العاملين فيها من قبل وزارة الاستخبارات الإيرانية بتهمة التجسس ضد الدولة لصالح الأجانب.

الحرب النفسية لتخويف العالم من إيران

 

التقرير السري لجهاز الاستخبارات الأميركية المركزية "سي أي إيه" المسرب في عام 2015 وصف الاستخبارات الإيرانية بأكثر الأنظمة الاستخباراتية صرامة في العالم، كما أنه حسب قول هيلاري كلينتون خلال فترة توليها وزارة الخارجية الأميركية إن واشنطن بعد بكين تعتمد كثيراً على طهران. سألنا دادخواه عما إذا كان يعتبر هذه الادعاءات حرباً نفسية، وأيها يوافق الحقيقة؟

قال: "ينبغي حمل تصريحات هيلاري كلينتون عندما كانت وزيرة الخارجية الأميركية في تلك الفترة على أنها حرب نفسية بهدف التخويف من إيران. فالقوة الاستخباراتية لأي حكومة في النظام الدولي ترتبط إلى حد كبير بالهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية، وكانت طهران في تلك الفترة معزولة تقريباً من النظام الدولي".

وما صحة الحديث عن قدرة أجهزة الاستخبارات الإيرانية على إيقاف الاقمار الصناعية السعودية العاملة في المنطقة؟

يرد دادخواه في حواره مع "هافينتغتون بوست" أنه "ليست لدى الجمهورية الإسلامية ولا المملكة العربية السعودية قوة لإضعاف بعضها البعض في المنطقة. وإيران والسعودية هما قوتان هامتان مؤثرتان في المنطقة وخلافاتهما حول قضايا الأمن والإرهاب زادت اشتعال الأزمة في الشرق الأوسط.

وتعتقد طهران أن تحقيق استقرار الأمن القومي مخول لدول بالمنطقة، ولكن المملكة العربية السعودية تحاول تحقيق استقرار الأمن القومي من خلال وجود القوى الإقليمية في الخليج".

وبحسب دادخواه فإن إيران تعارض السعودية بشدة بسبب هذه السياسات "وستؤدي سياسات المنافسة بين البلدين ضد بعضها البعض إلى تعزيز الجماعات المتطرفة في المنطقة".

وتقلق السعودية من تعزيز "الجماعات المارقة" ككيان مواز لوزارة الخارجية الإيرانية، التي ليس لدى الحكومة سيطرة عليها، وأوضح مثال على ما ذلك إضرام النيران في السفارة السعودية في طهران من قبل هذه "الجماعات المارقة المتطرفة".

لماذا زار دادخواه إسرائيل؟

 

يقال إن إيران تضحي دائماً بالمصالح القومية من أجل الأهداف الأيديولوجية، ولكن زيارة الرجل إلى إسرائيل تنتهك هذه القاعدة، فماذا كان هدف هذه الرحلة ونتائجها؟

يقول دادخواه: "لا تتقيد الدبلوماسية الإيرانية بحدود، بل نطاق عملنا الدبلوماسي في سياق النظام الدولي يشمل كل الدول. والسياسة الخارجية والأمن القومي في كل بلد يجب أن يقرر في سياق واقع النظام الدولي والنظام الإيراني يعتبر إسرائيل من القوى الإقليمية وجزءاً من النظام الدولي.

وخلال الحرب بين إيران والعراق قد تفاوضنا عدة مرات مع القيادة العراقية. ومثل هذا حدث في الماضي، ويتفاوض الوفد الإيراني في إطار المصالح القومية مع كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وهذا هو المبدأ المقبول دولياً".

وعلى سبيل المثال تفاوضت أميركا في فترة الستينيات إلى السبعينيات مع التشيك في بولندا. وكان بدأ العلاقات بين أميركا والصين منذ 1972 وتوسعت اليوم إلى هذا الحد.

مستقبل الرجل الغامض

 

من ملفات د.شاهين دادخواه الشائكة قيامه بالحوار قبل 37 سنة بالتنسيق مع قيادة الجمهورية الإسلامية وكمندوب رسمي لها مع عباس أمير انتظام، المتحدث الرسمي لحكومة المهندس مهدي بازرجان في عام 1980 مع أميركا في سياق مصالح محددة.

وبعدما استغنت قيادات الثورة عن بازرجان وحكومته، استخدموا من تلك الوثائق الحكومية ضد أمير إنتظام واتهموه بالتجسس للغرب، وألقوه في السجن فصار ضحية لهذه اللعبة السياسية، ولا يسمحون له حتى اللقاء مع أبنائه كل هذه المدة.

فكيف تبدو الأهداف السياسية والأمنية من الآن للمستقبل في نظر الرجل الغامض؟

يجيب بأن لديه عدة طلبات للتعاون من قبل عدد من المؤسسات الدراسية في بلدان مختلفة، وسوف يكون نشاطاته في هذا الصدد.

(Huffington Post)