دخلت الأزمة التونسية المفتوحة على مآلات متنوعة، في منعطف متعدد الثنايا، جعلت دبلوماسيا غربيا يقول لـ”العرب”، إن الأوضاع الهشة والرخوة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا، جعلت تونس تقطع نصف الطريق في سقوط متدحرج نحو الهاوية.

وحذر هذا الدبلوماسي الذي كان يتحدث خلال سهرة رمضانية بحضور عدد من السياسيين والبرلمانيين والإعلاميين التونسيين، من أن خيوط اللعبة السياسية بدأت تتسلل تدريجيا من بين أصابع الفاعلين السياسيين والحزبيين في البلاد وسط خطر جدي “بات يتهدد الدولة والمؤسسات وصيغة الحكم والسلم الاجتماعي والعيش المشترك، ومسار الانتقال الديمقراطي في تونس”.

  ورغم أن تحذيرات هذه الدبلوماسي الذي تتابع بلاده بانشغال كبير تطورات الأزمة الحالية في تونس، جاءت في سياق تحليله لتداعيات المأزق الذي تردت فيه البلاد منذ إعلان الرئيس الباجي قائد السبسي عن مبادرته لتشكيل حكومة وحدة وطنية، فإن الحاضرين في تلك السهرة الرمضانية أجمعوا على أن تونس تبدو اليوم كأنها لا تكاد تخرج من نفق حتى تدخل في آخر.

  ولم يتردد البعض من الحاضرين في القول إن الأزمة الراهنة من شأنها أن تشرع البلاد أمام أزمة سياسية مشابهة لأزمة عام 1986 التي انتهت بالإطاحة بالرئيس الأسبق بن علي بالرئيس الراحل الحبيب بورقيبة في السابع من نوفمبر من العام 1987، مع التأكيد بأن هذه الأزمة التي فرضت حضورها على الجميع، بدأت تستحضر أجواء أزمة 1986 مع استثناءات قليلة مرتبطة بخصوصيات المرحلة ومفاعيلها الداخلية والخارجية.

  ودفع استحضار أجواء العام 1986 في تونس الذي بدأ يتردد كثيرا هذه الأيام، نحو عودة حديث “الانقلاب” إلى الواجهة من جديد، وإن كان في سياقات مختلفة عن تلك التي سادت في الثمانينات، وسط إجماع على أن انعدام الرؤية الصحيحة لمعالجة هذا الوضع المرتبك يفتح الباب أمام كل الاحتمالات.

  ويعكس هذا الإجماع شعورا متناميا بتلاشي الأمل في إحداث اختراق إيجابي باتجاه استباق خطر الفراغ السياسي الذي بدأ يقترب تدريجيا ليُحيط بالبلاد في أعقاب الجلسة الأولى من المشاورات التي أجراها الرئيس الباجي قائد السبسي الخميس، مع أبرز الفاعلين السياسيين، أي الرباعي الحاكم حاليا، بالإضافة إلى الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة أرباب العمل.

  وأكد لـ”العرب” قيادي حزبي شارك في تلك الجلسة التي حضرها الرئيس الباجي قائد السبسي، وراشد الغنوشي، وسليم الرياحي، وحافظ قائد السبسي، وياسين إبراهيم، وحسين العباسي، ووداد بوشماوي، أن الأجواء التي سادتها كانت عاصفة ليس بسبب تباين الآراء والمواقف فحسب، وإنما بسبب ما ورد على لسان الغنوشي من تحذيرات وُصفت بـ”المبهمة” من أن حركته “لن تقبل بأي انقلاب مرتقب”.  

ونقل عن راشد الغنوشي قوله خلال تلك الجلسة مخاطبا الرئيس الباجي قائد السبسي، وحركة نداء تونس، “أنتم من اقترح الحبيب الصيد رئيسا للحكومة، وأنتم من زكاه لهذا المنصب، وبقاء الصيد أو رحيله أمر لا يهم حركة النهضة كثيرا، ما يهمنا اليوم هو أننا لن نقبل بأي انقلاب هذه المرة”.

  وساهمت هذه التحذيرات المُبطنة في استحضار أجواء أزمة العام 1986، وعودة الحديث عن انقلاب من جديد رغم اختلاف السياقات التاريخية، وتباين المعنى   والدلالات السياسية لعبارة “الانقلاب”. ويبدو أن راشد الغنوشي أراد من خلال استعماله عبارة “الانقلاب” التأكيد على أن حركته سترفض أي اقتراح بشأن الحكومة الجديدة لا يأخذ بعين الاعتبار حجمها الحقيقي الذي أفرزته انتخابات أكتوبر الماضي، وليس الانقلاب بمفهومه المتعارف عليه، والذي تُتهم حركة النهضة بأنها خططت وحاولت خلال العام 1986 عندما كان اسمها الاتجاه الإسلامي، تنفيذه للإطاحة بالرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.

  وكانت تسريبات سابقة أشارت إلى أن حركة النهضة الإسلامية قد أبلغت الرئيس الباجي قائد السبسي أنها لا تُمانع في رحيل رئيس الحكومة الحالي الحبيب الصيد، ولكنها لن تتنازل عن حقها في أن تكون غالبية الحقائب الوزارية لها، وخاصة منها حقائب العدل والداخلية والمالية، إلى جانب خمس وزارات أخرى.

ويبدو أن هذه العقدة السياسية الجديدة هي التي حالت دون التوصل إلى بديل عن رئيس الحكومة الحالية، وإلى طبيعة الحكومة الوحدة الوطنية المُقترحة، بمعنى هل ستكون حكومة محاصصة حزبية، أو حكومة تكنوقراط.

  ووفقا للقيادي الحزبي الذي شارك في جلسة المشاورات التي تمت الخميس في قصر قرطاج الرئاسي، فإن آراء المشاركين فيها تباينت بين المُطالبة بحكومة سياسية تُشارك فيها الأحزاب، والتأكيد على ضرورة أن تكون حكومة كفاءات مستقلة عن الأحزاب، وبعيدة عن التجاذبات السياسية.

  وتواصل هذا التباين، الجمعة خلال الجلسة الثانية من المشاورات التي أجراها الرئيس الباجي قائد السبسي مع عدد من الأمناء العامين لأحزاب المعارضة، الأمر الذي أبقى على ضبابية الوضع رغم أن الرئيس الباجي يبدو أنه بدأ يتراجع عن موقفه المطالب برحيل رئيس الحكومة الحبيب الصيد، حيث أكد أحد الأمناء العامين لـ”العرب”، أن الرئيس السبسي أبلغه أنه لا يمانع في بقاء الصيد في منصبه كرئيس لحكومة الوحدة الوطنية المُقترحة.

  وبين استحضار أجواء أزمة العام 1986، وحالة الفزع الذي أثير، وضبابية الوضع الراهن، تتزايد الخشية من دخول البلاد في دائرة الفراغ السياسي، ويتزايد معها القلق من انزلاق البلاد نحو الهاوية.

صحيفة العرب