انتهت نتائج المعركة الطاحنة لمجلس بلدية طرابلس، ولم تنته قراءة تداعياتها: التطاحن بين لائحة "لطرابلس" المدعومة من الائتلاف السياسي الواسع، ولائحة "قرار طرابلس" المدعومة من الوزير أشرف ريفي، أنتج مجلساً بلدياً من لون طائفي واحد بسقوط ممثلي الطائفتين المسيحية والعلوية. وكانت أيضا خسارة سياسية للجميع، لمصلحة ريفي الذي لم يتقاعد من عسكريته في المواجهة، حتى بات زعيماً في عاصمة لبنان الثانية.

من يعرف الأرض جيداً في طرابلس كان يستشعر هذه النتيجة، ورغم ذلك لم يكن أحد يتوقٰعها، حتى اللواء نفسه الذي خاض معركة وجودية بوجه "اهل البيت"، بعدما شعر بأن حرباً تُشنّ لإلغائه من جميع سياسيي المدينة.
لقد كرّس ريفي نفسه الرقم الصعب في المعادلة السنية على صعيد طرابلس والشمال. أما "خصوم الامس" فلم يستفيقوا وقواعدهم من حروبهم الماضية، وحلفهم الظرفي لم يستمرّ اكثر من حلم يقظة. الاحتفالات الشعبية بفوز ريفي ظهّرت حقيقة الشارع الطرابلسي، وتحديداً نبض الأحياء الفقيرة حيث الكثافة السكانية و"البلوكات" القادرة على تغيير المعادلة. إنه صوت حزام البؤس في مدينة الاثرياء، صبٰ في صناديق الاقتراع لمصلحة "خيار الجنرال الطرابلسي". "أبو أحمد" يستحقّ هذا النصر، يقول أحد ابناء التبانة، هو الذي يعمل منذ ١١ سنة مع المواطن الطرابلسي ومن أجله، وهو الذي يطلبه عبر هاتفه الخاص، سائق التاكسي، حتى بعد منتصف الليل، فيصغي اليه ويعالج مشاكله".
"خطابه الطائفي هو الذي جيٰش له الشارع"، يقول بعض خصومه. "لأنه كان في موقع الضحية، تعاطف معه الجمهور الطرابلسي"، يقول بعض آخر. "لأنه لاقى هواجس الطبقة الفقيرة في المدينة، ولأنه تبنى قضاياها في وقت تفصلها هوّة عن الزعامات الأخرى، وملأ فراغ القيادة المستقبلية بعدما انكفأت عن المدينة واهلها، وبعدما تُرِك ابناء احيائها الفقيرة يواجهون بعضهم بداية، ثم يواجهون معاً عدالة الدولة في مذكرات التوقيف والملاحقات القضائية، فيما هم لا يعرفون من الدولة أي عدالة اجتماعية".
حتى المجتمع المدني، ورغم محاولات نأيه عن المجتمع السياسي برمته، وارتباط جزء كبير من وجوهه بالعائلات السياسية، لم يُخفِ ارتياحه الى فوز خيار ريفي. فهو لم يرُقه تحالف السياسيين على مجلس بلدي، "بعدما خبروا فشل هذا التحالف في المجلس البلدي السابق، ويعتبرون ان محاصصتهم فيه هي التي كانت تفرض على المدينة مشاريع غير مرغوب فيها، وهي التي شلٰته عندما اختلفوا في السياسة".
يسأل بعض المتحمّسين: "لماذا لا يكون للسنة ولطرابلس والشمال جنرال، كما للرابيه جنرالها المسيحي، وكما للجنوب (النائب) محمد رعد... وغيرهما ممن ينطقون بحقوق طوائفهم؟ كفى الطائفة السنية، وخصوصاً في طرابلس، تهميشاً وتعالياً على اوجاعها وهواجسها".
أما في السياسة، فالخضّة الاولى هي داخل فريق "المستقبل" الذي ترفض قيادته الاعتراف بأن ريفي بات يشكل زعامة، بل انه استفاد من وهج الحالة الحريرية التي صبّت لمصلحته، لمجرّد أنه عبّر عن اعتراضه على حلف المحاصصة الذي لا يحاكي الواقع الشعبي على الارض".
وتشير اوساط "المستقبل" الى أن من فرض هذه المعادلة هو القاعدة الحريرية التي رفضت التحالف الهجين المركّب من تناقضات في اللائحة البلدية، ولم يتسن للقيادات التي رعته تحضير القاعدة له. الحالة الحريرية هي التي فازت في طرابلس، ولأن اشرف ريفي استثمر في هذه الحالة كان هو الفائز".
ويعتبر "المستقبليون" أنه كان يفترض بالرئيس نجيب ميقاتي ان يعوّم وحده اللائحة بعدما اوحى أنه هو من يقود المعركة، الا أن النتيجة خالفت توقعاته وبيّنت عدم صحّة مقولة إنه ورث القاعدة الحريرية.
ويرخي "المستقبليون" بثقل الخسارة على الرئيس ميقاتي "فهو كان رافعة لائحة "لطرابلس" وأظهرت ارقام الاقتراع انه هو الخاسر وهو الذي عليه ان يعيد قراءة واقعه على الارض بعدما أعطي صورة وهمية مغايرة لواقع قاعدته الشعبية".
في المقابل، تعتبر أوساط ميقاتي أن "من الخطأ المبالغة في وصف نتيجة الانتخابات في طرابلس، بل تجدر قراءتها بتأن ومقارنتها بانتخابات مدينة الميناء التي خاضت المعركة في الجو التوافقي نفسه ولم تخذله. ومعلوم من الجميع ان رئيس بلدية الميناء عبدالقادر علم الدين هو مرشح الرئيس ميقاتي".
وتشير الاوساط الى انه "عمل للتوافق لعدم شرذمة الصف السني ولفتح صفحة جديدة، رغم أنه كان واضحاً أن قاعدة "تيار العزم" رافضة لهذا التوافق ومصرّة على خوض المعركة بلائحة مستقلّة وببرنامج إنمائي بعيد عن التيارات السياسية. في أي حال، هذه الخطوة لن تكون نهاية مسار، بل هي محطة أساسية تؤخذ في الاعتبار على صعيد المزاج الشعبي. بلوكات كاملة عبّرت في الصندوقة عن رفضها للتوافق الذي أنزل في سرعة قياسية لم تتح للكوادر تحضير الارضيّة له ولا عدٰة العمل من خلال ماكينة انتخابية مشتركة".

 

هدى شديد