وصول الفتاة إلى سنّ الثلاثين وهي عزباء يعرّضها للكثير من الضغوط في مجتمعنا. "روحي تجوّزي" كلمة لا تفارق لسان أمها، و"أمتين بدنا نفرح منك؟" سؤال يردّده الأقارب والأصدقاء والزملاء مراراً وتكراراً على مسامعها. ربّما العروض موجودة، فكلّ فتاة مهما كانت جميلة أو قبيحة تحظى بمعجبين، والقبيحة في عيني رجل معيّن جميلة في عيني آخر، إلّا أنّ العزباء لازالت تتريّث. هي تبحث وعزوبيّتها تطول.لطالما كانت العزوبية عاراً بنظر المجتمع. فهذه الفتاة برأيهم "عانس"، لم يخترها أحد. ومَن تبقى عزباء نرى أمها تتباهى بعدد الشباب الذين "تقدّموا لها" ورفضتهم لتقطع الشك باليقين، وتؤكد لنفسها أولاً وللمجتمع ثانياً بأنّ عدداً كبيراً من الشبان اختاروا ابنتها في سنوات خلت إلّا أنها لم تقبل بهم. ما معناه أنها انتقت العزوبية خياراً برضاها ولم تُفرض عليها فرضاً بسبب شحّ المعجبين.

فتى الأحلام

 

وفي حين كانت فتاة الأمس تتزوج باكراً إذ كان هدفها تأسيس عائلة فترضى بسهولة أكبر من اليوم وتقتنع بالزواج لـ"تنستر"، باتت الفتاة العصرية متطلّبة وحريصة على نفسها.

هي تعلّمت ونالت شهادات عالية ودخلت المجتمع وعالم الأعمال من الباب العريض، مستقلة مادياً وحتّى اجتماعياً، ولا ترضى غالباً بأيّ رجل ولا تقدّم تنازلات جمّة. تحلم بفارس أحلام جميل، ثري، متفهّم، مستعدّ لدعمها مهنياً واجتماعياً وإحاطتها بدل "تهبيط" معنوياتها وتلخيص عملها في المطبخ وفي خدمته وخدمة العائلة وإنجاب الأولاد.

إدمان الحرية

 

البحث عن فتى الأحلام الذي تشعرين بأنّه فعلاً نصفك الثاني ويتمتّع بمواصفات فريدة، ليس سهلاً وقد يطول. هامش الحرية الواسع الذي تتمتعين به خلال فترة البحث قد يصعّب عليكِ أكثر فأكثر عملية العثور على الشريك المناسب والارتباط.

فأنتِ اعتدت على العيش بمفردك، حتّى لو أنّك في قرارة نفسك مازلت تبحثين عن هذا الرجل. اعتدت على الاستقلالية والحرية وما عدت جاهزة لإدخال أيّ رجل على حياتك تشعرين منذ اليوم الأول أنّه سيغيّرها وتخافين من أن يكون هذا التغيير إلى الأسوء.

ها هو بدأ يغار عليك. يسأل الأسئلة، يبدي رأيه ببعض تصرفاتك أو بملابسك، ولا يحبّذ وجودك مع أصدقائك الشباب أو مع أيّ شاب، وتخشين من أن يتغيّر يوماً فيتوقف عن حبّك ويتخلّى عنكِ من أجل امرأة أخرى. في هذه الحال أنتِ تشعرين بخوف طبيعي من الدخول في علاقة، كما يصعب عليكِ تغيير نمط حياتكِ لتتناسب مع طرف آخر.

إعتماد الواقعية

 

للهروب من دائرة العزوبية المحتّمة، عليكِ منح أيّ معجب بكِ يتمتّع بمواصفات مقبولة فرصة حقيقية. فأنتِ تنتظرينه ثرياً، جميلاً، طويل القامة، مفتول العضلات، خفيف الظل، يجيد إضحاككِ، طيّب القلب، جذاباً، طموحاً، يتمتّع بمركز مرموق في العمل، شهماً، نبيلاً، كريماً، مثقّفاً، حذقاً، صريحاً، مهذباً، ويحترمك.... إذاً أنت موهومة.

ولو التقيت فعلاً بشخص رأيت فيه كلّ هذه المواصفات المميّزة، فعلى الأرجح سيكون الحبُّ أعمى بصيرتك وجعلكِ ترينه قمراً مشعاً وتغضين الطرف عن سيئات ستكتشفينها لاحقاً. وتجدر الإشارة إلى أنّ المبالغة في التوقعات من الأسباب البارزة لعدم العثور على الشريك المناسب. ولكنّ زواجك فقط بهدف الزواج، وذلك من رجل لا تحبّينه ولم تقتنعي به، يبقى أسوء الاحتمالات.

الخيار لكِ وحدكِ

 

وعلماً أنّ المجتمع يضغط على الفتاة لتتزوّج وتنجب ويتحسّر على العزباء بعد سنّ الثلاثين بعبارات شتّى من بينها: "فاتها القطار"، إلّا أنّ مَن لم تتزوج تعرف جيداً في قرارة نفسها أنها اتخذت بإرادتها هذا الخيار.

ولا بدّ للمجتمع أن يستوعب يوماً أنّ الإنسان لا يولد بهدف أن يتزوّج ويُنجب الأولاد فقط، وأنّ الزواج ليس الفرح الوحيد في الحياة وأحياناً ليس فرحاً أصلاً. فمجتمعنا اعتاد أن يردّد على مسامع كلّ إنسان منذ الطفولة كلمة "فرحتك" في كلّ المناسبات قاصداً بها يوم زفافه وكأنّ الفرح في الحياة لا يكتمل ولا يكون إلّا بالزفاف.

أمّا الإنسان العصري فبات يدرك جيداً أنّ الزواج ليس "شمّة هواء" وأّنّه يُبنى في أساسه على التضحية وبذل الذات وتقديم التنازلات لإرساء حياة مشتركة، التضحية في سبيل الشريك والبيت والأولاد. ومن هنا يحقّ لكلّ إنسان أن يضحّي على هواه وفي المكان الذي يراه مناسباً.

فإن كانت العزوبية مشكلة كبيرة بنظر البعض والزواج تضحية بنظر غيرهم، فكلّ إنسان حرّ بأن يختار كيف يفضّل أن يضحّي وبأيّ طريقة. الحياة بأسرها تضحية وكلّ يقرر أكان يريد أن يضحّي من خلال بقائه عازباً أو من خلال الارتباط.

(سابين الحاج - الجمهورية)