لم تقف إيران مكتوفة الأيدي أمام احتجاجات التيار الصدري التي أصبحت تهدد العملية السياسية وتضع الأحزاب الدينية المرتبطة بها في وضع صعب.

وبادرت طهران في خطوة أولى إلى استدعاء زعيم التيار مقتدى الصدر في محاولة لاحتوائه أو على الأقل ضمان سكوته لفترة شهرين (فترة الاعتكاف التي أعلن عنها منذ أيام)، ثم أرسلت رسائل تهديد لأنصاره بأن يكفوا عن استهداف المنطقة الخضراء وإلا فإنها سترسل إليهم ميليشيا الحشد الشعبي لتأديبهم.

ويبدو أن أنصار الصدر قد استوعبوا سريعا رسالة التهديد الإيرانية، واكتفوا الجمعة بتظاهرات باهتة وبعيدا عن المنطقة الخضراء التي انتشرت في محيطها أعداد كبيرة من قوات الأمن العراقية ومن الميليشيات، وخاصة التابعة لمنظمة بدر بزعامة هادي العامري، وهو أحد القيادات النافذة في الحشد الشعبي.

وطلب مكتب الصدر من أنصاره الخروج في احتجاجات بعد كل صلاة جمعة، في المكان الذي تقام فيه الصلاة بعيدا عن المنطقة الخضراء، مشددا على ضرورة أن “تكون الشعارات مركزية تهدف إلى الإصلاح وتطالب بالإسراع بعقد جلسة مجلس النواب ودعم القوات الأمنية”.

ونصبت قوات الأمن حواجز على المداخل الرئيسية لبغداد، ومنعت دخول وخروج السيارات من المدينة بشكل كامل، كما قطعت أيضا جميع الطرق المؤدية إلى ساحة التحرير وسط العاصمة.

وقال مراقبون إن التيار الصدري اختار التراجع عن مواجهة ميليشيا الحشد الشعبي والقوات العراقية في المنطقة الخضراء خوفا من أن يتحول الاحتجاج الهادف إلى دعم إصلاحات رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى مواجهة مباشرة مع الميليشيات مثلما جرى في مارس 2008.

وقادت حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وقتها عملية أطلقت عليها “صولة الفرسان” استهدفت مواقع التيار الصدري وجيش المهدي (الذراع العسكرية للتيار قبل أن يتم حلها)، ولم تتوقف المعارك التي استمرت قرابة ثلاثة أسابيع إلا بعد أن أعلن الصدر وقف المعارك، ودعا أنصاره إلى إلقاء السلاح واستقبال القوات العراقية بالورود.

وتراهن طهران على الحشد الشعبي كورقة أساسية من أوراقها للاحتفاظ بهيمنة الأحزاب الطائفية الموالية لها على العملية السياسية، والحفاظ على ثقة واشنطن فيها كطرف وحيد قادر على استمرار تحالف المصالح بينهما في العراق.

ووقف العسكريون الإيرانيون بقوة وراء تشكيل الحشد الشعبي بالتسليح، وتولى قياديون بارزون في الحرس الثوري تدريب الآلاف من عناصر هذه الميليشيا، بينهم قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، الذي ظهر أكثر من مرة في العراق وسط مقاتلي الحشد.

وأقامت جامعة طهران الأربعاء مؤتمرا للإشادة بإنجازات الحشد الشعبي، وخلال هذا المؤتمر تبرأ قادة الميليشيا من الشعارات التي رفعها أنصار الصدر منذ أسبوع خلال اقتحام المنطقة الخضراء والتي طالبت إيران برفع يدها عن العراق.

واستغرب مراقبون عراقيون أن يُعقد ملتقى في طهران تحت عنوان “إنجازات الحشد الشعبي”، وأن تكون جامعة طهران هي المكان الذي يُعقد فيه ذلك المؤتمر.

ولفت المراقبون إلى أن ذلك يكشف حجم الرهان الإيراني على ورقة الميليشيات التابعة لطهران في خطتها لضمان استمرار العملية السياسية وسيطرة الأحزاب الموالية لها على العراق.

وقال مراقب سياسي عراقي إن ميليشيا الحشد الشعبي تمثل الجدار الأخير الذي تستند إليه إيران في تثبيت وجودها في العراق، بعد أن أثبتت الكتل السياسية عجزها عن مواجهة الصدر، الرجل الذي أكد قدرة استثنائية على صنع الفوضى في الشارع الشيعي بشكل خاص.

وما فعله الصدر بالمعادلة السياسية خلال الأشهر القليلة الماضية كشف عن هزال وضعف الكتل السياسية التي تتقاسم منافع السلطة من غير أن تتمكن من إدارة منظومة الحكم بنجاح وبروح توافقية. وهو ما حاول الصدر أن يستفيد منه في فرض نفوذه، على الشارع الشيعي ومن خلاله على إيران.

وأضاف المراقب العراقي في تصريح لـ”العرب” أن مسعى الصدر في فرض نفوذه على حيدر العبادي لم يرق لإيران فعملت على تعطيل وإعاقة ذلك النجاح النسبي، وهو ما دفع بالصدر إلى أن يأمر أتباعه باقتحام المنطقة الخضراء واحتلال مبنى مجلس النواب والهتاف من هناك ضد إيران.

ولأن إيران تعرف جيدا أن مزاج الشارع الشيعي لا يميل كليا إليها فقد شعرت بالخطر الذي تمثله إمكانية أن يتسع مجال الاعتراض على نفوذها الشامل في العراق، فقررت أن تدير الأزمة التي هزت البيت الشيعي من طهران مباشرة.

وأشار المراقب إلى أن إبعاد الصدر عن جماعته و”اعتقاله” مؤقتا في طهران قد يكون إحدى علامات ذلك التحول في السياسة الإيرانية.

لكن إبعاد زعيم التيار الصدري لا يعني أن طهران تراهن على أحد بعينه من سياسيي العراق الموالين لها ليحل محل العبادي في رئاسة الحكومة، بقدر ما يعني أنها أكثر تمسكا برهانها على ميليشيا الحشد الشعبي التي لا تتوانى عن استعمالها ضد أي فصيل شيعي متمرد على سياستها.

وإذا لم تنجح إيران في ترويض الصدر فإن بغداد قد تشهد “صولة فرسان” جديدة بين الفصائل الشيعية، وهي الحرب التي عملت إيران لسنوات على تأجيلها.

ومن الواضح أن هامش المناورة محدود أمام المسؤولين الإيرانيين لوقف الدعوة إلى الإصلاحات، التي لا تهم التيار الصدري فقط، بل صارت مطلبا يتبناه أغلب العراقيين.

 

العرب