عقد في باريس الأحد الماضي لقاء على مستوى الخبراء تحضيراً لمؤتمر الدول المانحة لإغاثة النازحين السوريين المقرّر في 27 أيار المقبل والذي كان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند قد كشف عنه خلال زيارته الاخيرة للبنان. وتؤكد المصادر المواكبة للّقاء أنّ وقائع نقاشاته كانت تقنية وذات صلة بأمر أساسي وهو إيجاد آليات لتجسيد توجّه دولي جديد يتعلق بمقاربة هذا الملف، ويقوم أساسه على معادلة أنّ أيّ تمويل للدول الحاضنة للنازحين سيكون مشروطاً بصرفه على تشغيلهم وتعليمهم.

تكشف هذه المصادر لـ"الجمهورية" أنّ من بين الأزمات المهمة التي ستواجه لبنان على مستوى التكيّف مع التوجه الدولي الجديد لمقاربة تمويل إيواء النازحين فيه، توجد ازمة تعليمهم وآلياتها. خلال الفترة الماضية اشترط وزير التربية الياس بو صعب أن لا يفوق عدد الطلاب السوريين في أيّ صف في المدراس الرسمية عدد طلابه اللبنانيين.

هناك اتجاه دولي اليوم للنظر الى هذا القرار بصفته عنصرياً، على رغم أنّ وقائع القدرة الاستيعابية التعليمية الرسمية في لبنان تُظهر أنه يوجد نحو ربع مليون طالب لبناني يتعلمون في المدراس الرسمية وفي مقابلهم يوجد هذا العدد نفسه تقريباً من النازحين السوريين الذين استوعبتهم المدارس الرسمية اللبنانية خلال العام الحالي.

ولكنّ المطروح دولياً الآن على لبنان هو أن تستوعب مدارسه الرسمية خمسمئة الف طالب سوري. وفي حال وافق لبنان على استيعاب جميع الطلاب النازحين المقدّر عددهم بنصف مليون، فستصبح نسبة الطلاب السوريين في المدارس الرسمية في مقابل الطلاب اللبنانيين، طالبين سوريين في مقابل طالب لبناني واحد.

على أنّ المشكلة الأعقد والأعمق التي يواجهها لبنان على هذا الصعيد، هي مسألة كيف يتمّ استيعاب الطلاب النازحين السوريين ضمن آلية توفر ضمانات دولية للبنان بأن يعلمهم موقتاً، وأنهم حتماً سيعودون الى مدراس سوريا بعد انتهاء أزمتها.

لا توجد أيّ اجابات دولية على هذه الأسئلة، بل إنّ المانحين في مؤتمر لندن وفي اللقاء التحضيري لمؤتمر 17 أيار، يتحدثون عن إقامة غير مشروطة بتوقيت زمني للنازحين في الدول المضيفة لهم.

ويستخدمون مصطلح "عودة إرادية"، أي إنّ عودتهم الى سوريا يقررونها متى أرادوا بمعزل عن شرط تغيّر الاوضاع الراهنة في سوريا او عدمه. اما لبنان فيستخدم مصطلح "عودة طبيعية" في إشارة تغمز الى ضرورة عودتهم فور استتباب الامن في سوريا.

غير أنّ لبنان، وفق خبراء يتابعون هذا الملف، يناقض نفسه حينما يعلن أنه يخشى من توطين النازحين السوريين فيه، وفي الوقت نفسه يعلن اصراره على رفض تلقين الطلاب النازحين (نحو نصف مليون حتى الآن) المناهج التعليمية السورية ويصرّ على تلقينهم المناهج اللبنانية، وذلك تحت مبرّر الحفاظ على السيادة.

ومبعث التناقض هنا يتمثل في أنّ أيّ تلميذ نازح يتلقى التعليم في لبنان وفق المناهج اللبنانية، يصبح مضطراً للبقاء في المدراس اللبنانية حتى إنهاء المرحلة الثانوية، أولاً لأنه لا يوجد اتفاق معادلة الشهادات بين البلدين؛ وثانياً لأنّ مناهج التعليم الرسمي في لبنان (فرنكوفونية) تختلف كلياً عن مناهج التعليم الرسمي في سوريا (تعريب عموماً وبنسبة أنكلوسكسونية قليلة) وعليه لا يستطيع أيّ طالب يتعلم في المدراس الرسمية اللبنانية أن يكمل تعليمه في المدراس السورية، بل سيكون عليه إكمال تعليمه في لبنان حتى بدء المرحلة الجامعية ومن ثمّ سيكون من الطبيعي أن يختار دخول الجامعات اللبنانية والعمل لاحقاً في لبنان، وهذا مسار يقود الى توطين طبيعي.

وفي كلّ الحالات فإنّ ازمة تعليم النازحين في لبنان مرشحة لأن تنتج قريباً ازمات اعمق؛ أهمها أنّ المدراس اللبنانية الرسمية ستصبح ذات اكثرية طلابية سورية، وذلك بمعدل الضعف، وايضاً أنّ كلفة تعليم الطالب السوري، بحسب عرض الدول المانحة هي 200 دولار بينما هو بحسب كلفته اللبنانية الواقعية 600 دولار، اضافة الى أنّ تعليم الطلاب السوريين وفق المناهج الرسمية اللبنانية سيعني موضوعياً أنّ مدة بقائهم في لبنان ستطول أقله لنحو 15 عاماً، وبالتالي سيكون مستحيلاً أن تطبق عليهم نظرية "العودة الطبيعية".

وما هو أبعد أثراً من هذه الازمة الآنفة التي لا يلحظ الجهد الدولي لإغاثة النازحين السوريين أيّ حلول لها حتى الآن، يبرز خطر أعمق ويُتوقع أن تكون له تجسيداته في المدى المنظور، ومفاده أنّ استمرار الحكومة اللبنانية في نهج عدم إبداء قدرة على إنتاج موقف يعبّر عن مقاربة دولة لهذا الملف لا موقف أحزاب وأطراف، سيجعل الدول المانحة اقل لحظاً لمصالح لبنان وأكثر تمادياً في خدمة مصلحتها الهادفة الى تثبيت النازحين السوريين فيه لضمان عدم تسرّبهم الى الدول الاوروبية.

واستطراداً فإنّ هذا الموضوع سيطرح على لبنان في مرحلة ما بعد مؤتمر 17 أيار خيارات صعبة، وهو هل سيوافق على الحصول على تمويل للنازحين مشروطاً بصرفه على تشغيلهم وتعليمهم.

في حال رفضت الدولة اللبنانية هذا الشرط نتيجة غياب قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات كبرى او لأيّ سبب آخر كالخوف من توطينهم، فإنّ الدول المانحة ستتجه الى العمل مباشرة مع جمعيات وبلديات لبنانية، لتقوم الأخيرة بمبادرات إغاثة النازحين السوريين في لبنان وفق الرؤية الدولية الجديدة التي تنصّ على تشغيلهم وتعليمهم وإطلاق اقتصاد إنتاجي لهم وليس ريعياً.

وفي هذه الحال فإنّ المجتمع الدولي لن يتعامل مع الدولة اللبنانية بصفتها المرجعية الحصرية التي يجب متابعة موضوع النازحين السوريين في لبنان من خلالها.

ومثل هذا الوضع لجعل الدولة اللبنانية مسؤولة عن دور واحد في ملف النازحين وهو "قمع" أنشطتهم غير القانونية في نظرها بينما هي قانونية من وجهة نظر المجتمع الدولي. ويعد هذا الوضع أسرع وصفة لأن تتكرّر بين الدولة اللبنانية والنازحين السوريين مشاهد العنف نفسها التي حدثت بينها وبين اللاجئين الفلسطينيين.

والواقع أنّ مشكلة لبنان اليوم مع ملف النازحين السوريين، تكمن في أنّ الحكومة اللبنانية لا تملك القدرة على مفاوضة المجتمع الدولي في هذا الملف من موقع أنها دولة تستطيع لقاء تقديم تنازلات مسؤولة ومحسوبة الحصول على ضمانات تمنع توطينهم في لبنان وإن بنحوٍ واقعي وليس قانونياً.

اضف الى أنّ تخلّيها عن دورها كراعية اجتماعية لنزوحهم سيجعلها مضطرة الى الاحتفاظ بدور وحيد متبقٍ لها حيالهم وهو دور القمع المضر بعلاقتها بهم على المدى المتوسط وليس الطويل فقط.

ويكشف مصدر شارك في مؤتمر لندن (شباط الماضي) لـ"الجمهورية" أنّ لبنان كان موقفه الأضعف من بين كلّ دول جوار سوريا المضيفة لنازحيها.

فهو نال الحصة المالية الموعودة الأقل في مقابل ما حصلت عليه كلّ من تركيا والاردن. اضافة الى أنّ خطابي رئيس الحكومة ووزير التربية في المؤتمر، عرضا أفكاراً عامة ولم يطرحا رؤية تفصيلية لمطالب لبنان وإمكاناته في هذا الملف.

وبين الوقائع الاخرى الدالة المنسوبة الى كواليس مؤتمر لندن واللقاء التحضيري للدول المانحة على مستوى الخبراء، تبرز واقعة أنّ المجتمع الدولي لا يوافق على خطاب الدولة اللبنانية القائل إنّ مطالبة المجتمع الدولي لها بإعطاء النازحين حق التشغيل والتعليم وعدم تحديد سقف سياسي لعودتهم، سيؤدي الى توطينهم وضرب معادلات استقرار لبنان الديموغرافية والاقتصادية وحتى الأمنية، ذلك أنّ النازحين السوريين- من وجهة نظر المجتمع الدولي- موجودون في لبنان قبل المطالبة الدولية بإعطائهم حقوقاً إنسانية، وهم باتوا «أمراً واقعاً» ديموغرافياً يجب على لبنان التعاطي معه وفق مسؤولياته تجاه القانون الدولي.

الجمهورية