روى عضو تكتل التغيير والاصلاح النائب ابراهيم كنعان لصحيفة "النهار" انه "عندما حصل الشغور الرئاسي، قال العماد عون في حلقة تلفزيونية مع الزميل وليد عبود في برنامج "بموضوعية" انه مستعدّ للنزول الى مجلس النواب بشرط ان تنحصر الانتخابات الرئاسية بين أقوى شخصين لدى المسيحيين أي هو وجعجع. وبرّر ذلك آنذاك بالحاجة الى رئيس قوي يملك تمثيلاً يستطيع تعويض عدم استفتاء المسيحيين في خياراتهم. وكان ردّ جعجع أنه مستعدّ للذهاب الى الرابية لبحث ما قاله العماد عون ولكن من دون شروط، أي "ليس فقط من أجل الرئاسة وحدها، ولنبحث عن خيارات أخرى غيرهما.
ثم يتصل الرياشي ليبلغني انه مكلّف رسمياً من جعجع الاجتماع بي. فالتقينا وكان حاملاً رسالة من جعجع الى عون مفادها استعداده لفتح الحوار حول موضوع الرئاسة وفق المواصفات التي وضعها العماد عون، أي وفق قاعدة "القويين"، وبالتالي ضرورة التوصل إلى تقارب سياسي للبحث في مسألة الرئاسة. نقلت الرسالة الى العماد عون الذي قبل بها، وبدأت زيارات الرياشي السرية موفداً من جعجع الى الرابية في حضوري. وبدأ البحث في شكل التقارب السياسي والخروج من الماضي وأحقاده".

ويضيف كنعان: "طرحت فكرة ضرورة كتابة هذه الافكار للوصول الى نتيجة مرجوة، فدخلنا مرحلة الأفكار المكتوبة وبدأنا من مكان بعيد جداً، ولكل طرف منا نظرة متباعدة كلياً وهواجس تختلف عن الآخر ما بين الاقليمي وسلاح "حزب الله" وايران وسوريا والإصلاح وإعادة بناء الوطن وفق أسس الشراكة الحقيقية من دون إغفال الهمّ السيادي. عقدنا نحو 10 جلسات طويلة مع العماد عون وأكثر من 12 جلسة بيني وبين الرياشي كلها بعيدة من التداول، وحصل تبادل أوراق وأفكار متعددة بين الرابية ومعراب مع تعديلات كثيرة، وكانت مجموعة هواجس واسئلة للقوات والتيار تمحورت كلها على رئاسة عون منذ تلك الأيام.
لم أكن زرت معراب بعد، صعدت مع الرياشي موفداً من عون لبلورة المزيد من الرؤية المشتركة، وحملت معي كتاباً عن مئوية البطريرك الحويك، كاتباً اهداء عن دوره في دولة لبنان الكبير عندما مثّل الحكومة اللبنانية في مؤتمر فرساي ودور المسيحيين في ذلك الوقت، مقارنة بدورهم المتراجع اليوم، وسبل استرجاع هذا الدور عبر عمل مشترك يؤمّن الشراكة الفعلية الغائبة حالياً. بعد ذلك، تسارعت عملية التفاوض وكثرت الأفكار التي أصبحت نقاطاً مشتركة الى حين صوغ المرحلة الأولى بطريقة متقاربة جداً. وحلّ ميلاد 2014 وحصل الاتصال الأول بين جعجع وعون. كنا في الرابية ملحم وأنا، فاتصل جعجع بالرياشي الذي أعطى الهاتف بدوره الى الجنرال وحصلت المعايدة. وقررنا للمرة الأولى أن نعلن الأمر، وكانت الإشارة الاولى إلى مسار عمره أشهر، وأخذ الموضوع منحى آخر بعدما لمسنا تأييداً مسيحياً. وعند ذلك بدأت العراقيل والمتاهات وعدم تقبّل الموضوع، من الطرفين ومن الأبعد".

وشرح كنعان كيف "أُسقطت الدعاوى وضُبط الجو الإعلامي والتراشق على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأ التنسيق الطالبي والنقابي وحتى النيابي، الى أن أعلنت "النيات" في الرابية في حضور جعجع وعون"، مضيفا "بعد ذلك بدأ الكلام على كسر الحلقة لاختيار عون رئيساً والثوابت المطلوب التفاهم عليها. وكان البند الأول من "اعلان النيات" نصّ على تبنّي الطرفين رئيساً قوياً في بيئته وشكّل المظلة للموضوع الرئاسي. حتى في هذا الأمر اصطدمنا بعراقيل، لكننا لم نيأس. أحياناً كانت الاحداث السياسية تسرّع الاتفاق وأحياناً لا. الى ان جاء الكلام على عقد الجلسة التشريعية التي لم تدرج في البدء مطالبنا في جدول الأعمال، فكان التحدي، ووصلت بنا الأمور الى الاتفاق معاً على تنظيم تظاهرات واقفال تام في كل المناطق المسيحية في حال عدم استجابة مطالبنا. تكاتفنا واتخذنا قرارات مشتركة واستطعنا تحقيق انجازين هما اقرار قانون استعادة الجنسية والتوصل الى مناقشة قانون الانتخاب، مما ولد "نقزة" عند كل الأطراف من قدرتنا على النجاح عندما نتوحّد، في حين لم يكن أحد يؤمن بأننا يمكن أن نصل الى هذه المرحلة من العلاقات.
هذا الأمر شجعنا على التقدّم أكثر في المسار، فتطورت الأحاديث رئاسياً، وأكثر على صعيد امكان التوصل الى قانون انتخاب مشترك، الى أن أتت مبادرة الرئيس سعد الحريري بتأييد ترشيح النائب سليمان فرنجية، والتي ولّدت جواً رئاسياً ودفعت الى ترجمة ما كنا نخوضه معاً، وبالتالي سرّعت توقيت الاتفاق، خصوصاً اننا كنا مطالبين دائماً بعد "اعلان النيات" بضرورة الاتفاق على الرئاسة".

وفق كنعان "دخلنا مناقشة المشروع جدياً، وقاعدته الأساسية أن يكون عون رئيساً ولكن مع تحديد لطريقة تصحيح الممارسة، قانون الانتخاب الأمثل، التحالف، العلاقة مع بقية الأطراف. اتفقنا على نشر جو إيجابي عند المسيحيين للمراكمة عليه في خلق نواة صلبة جامعة ومنفتحة على الغير مع الحرص على حلفائنا المسيحيين في الدرجة الأولى، أي الكتائب والمردة والطاشناق. توالت الرسائل واللقاءات في الرابية ومعراب، وبيني وبين الرياشي الى أن تمّ الاتفاق النهائي على رؤية متكاملة وإعلان الترشيح. لا أنكر أن هذه الخطوة كانت صعبة جداً، فدرسناها جيداً ودخلنا أدق التفاصيل وتمّ التنظيم بعناية فائقة، حتى لحظة وصول العماد عون الى معراب واعلان الاتفاق في الشكل الذي حصل فيه".
ويوضح كنعان:"منذ اللحظة الأولى، لم يكن الاتفاق اختزالاً أو اقصاءً لبقية الأفرقاء المسيحيين ولا تهميشاً لهم ولا تقاسماً للسلطة ولا ثنائية مسيحية في وجه أحد، أو اصطفافاً مسيحياً كما يحلو للبعض تسميته، بل هو سياسي لتصحيح الممارسة، تحت سقف الدستور، التي اعترتها شوائب كبيرة من التسعينات الى اليوم حتى بعد الخروج السوري من لبنان، ولاستعادة الدور المسيحي الذي لا يمكن تحقيقه بمعزل عن بقية الشركاء في الوطن. صحيح ان الفريقين مسيحيان لكن لكل منا تحالفات متناقضة. نحن نهيّئ للمصالحة الوطنية وليس للاصطفاف المسيحي في وجه المسلم. مع حرصنا على أفضل العلاقات للبنان بمحيطه، وخصوصاً العربي ضمن اطار جامعة الدول العربية وألا يكون رهينة للصراعات في المنطقة".

لكن لماذا ميشال عون للرئاسة؟
"اولاً، لأنه حصل على تأييد الغالبية الساحقة من المسيحيين، بالتالي هي المرة الأولى يتمّ فيها ترشيح شخص يملك حضوراً شعبياً وميثاقية مسيحية.
ثانياً، لأن اللحظة الاقليمية والدولية تنحو نحو رئيس من "قوى 8 آذار" أو متحالف معها لإنجاز الاستحقاق الرئاسي.
ثالثاً، لأن عون استطاع من خلال تفاهماته مع صقرين من فريقي 8 و 14 آذار أي "حزب الله" و"القوات اللبنانية" أن يحقق تفاهماً سياسياً بامتياز، وليس سلطوياً، وبالتالي خلق مساحة مشتركة يلتقي عليها الفريقان غير متوافرة عند سواه. وهذا هو الرئيس الذي يحتاج إليه لبنان في هذه المرحلة الدقيقة والخطيرة لبناء الدولة وحمايتها".