بعد ما يقارب الثلاثين عاماً، شاءت التحوٰلات الإقليمية والدولية الكبرى أن تخرج علاقة عون - جعجع من معادلة "العشق الممنوع". وكانت ورقة "اعلان نيٰات" بينهما كافية لتطيح مبادرة أطلقها برعاية سعودية رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري من خلال ترشيحه "الابن المدلٰل" لدى 8 آذار النائب سليمان فرنجيه، مدعوماً من الثنائي رئيس مجلس النواب نبيه بري والنائب وليد جنبلاط. ورقة "اعلان النيات" هذه كانت كفيلة بسحب المبادرة من يد كلّ من "المستقبل" و"بيضة القبٰان" النائب وليد جنبلاط ونقلها الى رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع الذي بات هو المبادر والمفاوض في الترشيح الرئاسي، والتفاهم الذي يبنى على هذه الورقة - والمعلومات تشير الى انه وصل الى آخر سطوره - هو الذي سيكرّس عون المرشٰح المسيحي الاول لرئاسة الجمهورية، وبممر إلزامي من معراب. لم يعد مجرد همس أن عون سيقوم بزيارة لمعراب وان رئيس "القوات" سيعلن، وهو الى جانبه، أنه يرشحه رسمياً لرئاسة الجمهورية.

كل الأجواء في معراب تشير الى أن اللمسات الاخيرة توضع على ورقة تفاهم محورية لن يبقى ما بعدها كما كان قبلها. لم يحدّد بعد توقيت الزيارة وإعلان التفاهم والترشيح، ولكن الأمور وصلت الى خواتيمها. وينطلق الفريق "القواتي" من أن ترشيح عون تحتّمه واقعية سياسية بعدما تعطًٌلت كل عجلة الدولة، وبعدما تحوٰلت الحكومة غير منتجة، وأصبح الظرف الإقليمي والدولي ملائماً، وفي ظل الضغط الخارجي الذي يدفع الى انتخاب رئيس للجمهورية بمعزل عن الاسم، يضاف الى ذلك إعلان "حزب الله" صراحة أن مرشحه هو عون وليس فرنجيه.
من وجهة النظر "القواتية" ان الذهاب في هذا الاتجاه هو نتيجة عوامل وظروف عديدة داخلية وخارجية، منها أن المملكة العربية السعودية لا يهمها سوى انتخاب رئيس للجمهورية ولا فيتو لديها على أحد، ووجود "القوات" كحليف لها الى جانب ترشيح عون يريحها ويريحه، فضلاً عن أن عون هو في البعد السياسي من مؤسسي الرابع عشر من آذار، وأقرب الى فلك "القوات" من فرنجيه، وليس مطلوباً أن يغيّر أحد موقعه، بقدر ما يتفق الطرفان على وحدة الموقف المسيحي، وإعادة تكوين السلطة بانتخاب رئيس وتشكيل حكومة وإجراء انتخابات نيابية. وهذه المعطيات هي محور تواصل بين "القوات" والحلفاء، في موازاة ما يقوم به العماد عون مع حلفائه.
تشير أوساط الثامن من آذار الى أن ترشيح جعجع لعون مقابل ترشيح الحريري لفرنجيه، من شأنه ان يؤمّن لجلسة الانتخاب النصاب، ولكن التصويت سيكون محسوماً لفرنجيه، اذا ان نواب "المستقبل" و"التنمية والتحرير" و"اللقاء الديموقراطي" و"المردة" والمستقلين وربما ايضاً الكتائب سيصوّتون له، ولكن ماذا لو صحت المعلومات الواردة من "القوات" ومفادها أن السعودية أبلغت جعجع موافقتها على ترشيحه لعون واعتبارها ان وجوده الى جانب ترشيح عون هو الذي يشكّل لها الضمان؟
ألا تغامر "القوات" في خيار قد يُكرّس عون المسيحي الأول وقد يلغي موقع جعجع كحليف مسيحي اول للسعودية وكمرجعية مسيحية أولى لدى "تيار المستقبل" وفريق الرابع عشر من آذار، من دون أن يربح لا صداقة ولا وداً ولا قرابة مع فريق الثامن من آذار الذي توجّس من "اعلان النيات" بينه وبين "التيار الوطني الحر؟" فكيف لو وقٰعا ورقة تفاهم؟ البعض يراهن على ان جعجع بترشيحه عون في وجه ترشيح الحريري لفرنجيه، يلعب ورقة في وجه ورقة، هو في كليهما خاسر خاسر. ولكن فريق "القوات" بات واثقاً من ان المغامرة موجودة في كل شيء، وإذا كان من شأنها أن تؤمّن المناصفة والشراكة الحقيقية ووقف العدّ وعدم أخذ الخيارات الاساسية المتعلّقة بالمسيحيين باستبعادهم، فإن للعودة الى الخيار المسيحي بترشيح عون الأحقية.
في أي حال، موقف "القوات" شرحه مفصلاً النائب جورج عدوان في اجتماع "بيت الوسط"، وخلاصته أن ذهابها الى ترشيح عون ليس رداً على مبادرة الحريري، واذا اعتقد البعض ان عون سيسلّم البلد الى إيران وان حزب الله يُعطل الرئاسة فذلك سبب إضافي لتمسُك "القوات" بترشيح عون.
وعن تداعيات ترشيح "القوات" لعون على ١٤ آذار، جواب "القوات" هو بالسؤال: "من قام بالسين - سين ألم يُفكر في تداعياتها على ١٤ آذار؟ ومن رشّح فرنجيه للرئاسة ألم يفكر في تداعيات ذلك على ١٤ آذار؟
وفي خلاصة "القوات" ان الجميع يعلم أن "حزب الله" اذا كان يريد تغيير النظام، فترشيح عون سيُحرجه، و"القوات" تعتبر أن ترشيح عون هو إنقاذ للدولة وللطائف، وهذه مخاطرة محسوبة جيداً Risque très calculé .