أسوأ ما في النزاع بين المملكة العربية السعودية وايران، هو أن تبادر سلطات الدولة الخليجية الاكبر والادارات الخليجية المتحالفة معها الى تدابير انتقامية ضد المغتربين اللبنانيين المقربين من "حزب الله" او المؤيدين له، بطريقة أو أخرى، سواء من خلال صلة الدم أو الصلة المعنوية.

 

على مدى سنيّ إقامتهم الطويلة في تلك المجتمعات، اصبح ابناء الجاليات اللبنانية على معرفة بعضهم ببعض، وبالهوى السياسي لهذا الشخص او تلك العائلة، سواء من خلال انتمائها المذهبي، أو الحزبي، او القروي، او موالاتها فكرياً لهذا الطرف اللبناني أو ذاك. ويكفي التواصل مع اللبنانيين المقيمين في انحاء الخليج، ومراقبة ما يقولون او يكتبون عبر صفحات التواصل الاجتماعي المختلفة، لكي يدرك المرء حجم المأزق الذي يعيشونه نتيجة التجاذبات السياسية العنيفة، والخشية لديهم ان يدفعوا ثمن صراع "لا ناقة لهم فيه ولا جمل".

 

يقيم أكثر من نصف مليون لبناني في دول مجلس التعاون الخليجي منذ الخمسينات والستينات، والافراد القلائل الذين توجهوا الى دول الخليج في تلك الايام أصبحوا جاليات كبيرة جداً لا تتوقف عن النمو بفعل تدفق المزيد من خريجي الجامعات والمعاهد والحرفيين والصناعيين على دول الخليج، وتكفي مراجعة اعداد خريجي الجامعات اللبنانية لكي يتبين حجم الاعداد الكبيرة التي يستهويها حلم السفر الى الخليج وإغراء العمل في السعودية والامارات والكويت بمعاشات مقبولة نسبياً مقارنة بالشح الكبير في رواتب الخريجين الجدد في لبنان، وتناسل الازمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والامنية في لبنان الى ما لا نهاية، في ظل تضاؤل فرص العمل أمام الالاف من الخريجين او أولئك الذين ينتظرون دورهم للتخرج في الجامعات اللبنانية. وفي آخر التقديرات لعدد اللبنانيين في السعودية أنهم تجاوزوا عتبة الـ 200 الف لبناني، ممن يتوزعون على كل أنحاء السعودية، منهم نسبة لا بأس بها من الشيعة، في حين يقدر عدد اللبنانيين في قطر مثلاً بنحو 50 الفاً، ومثلهم في الامارات وبنسبة أقل في الكويت، وصولاً الى سلطنة عمان وحتى اليمن، الذي لا تزال بعض الشركات والمؤسسات اللبنانية تعمل فيه على رغم الحرب الدامية المندلعة في مختلف ارجائه وبين مكوناته.

 

اكتسب أبناء بعض هذه الجاليات اللبنانية، جنسية الدول التي أقاموا فيها منذ عشرات السنين، وخصوصاً في الكويت والسعودية وحتى قطر والامارات، على رغم الشروط الصارمة التي تفرضها سلطات هذه الدول على اكتساب جنسيتها، وتالياً جواز السفر الخاص بها، لكن يبدو أن الصدام الحالي والذي يتخذ أشكالاً مذهبية، لا يأخذ في الاعتبار أيا من هذه العوامل، وبعض العائلات او الافراد المبعدين لم تجده نفعاً هذه الرابطة القوية مع المجتمعات المحلية، التي وصلت في أحيان كثيرة الى درجة مصاهرة العائلات الخليجية. والخشية لدى اللبنانيين في الخليج على ما يقول بعضهم عبر خطوط التواصل الاجتماعي، أن يصار الى التعميم في توزيع الاتهامات واسقاطها على الجماعات، وبذلك يصبح قسم لا بأس به في دائرة الشك والاتهام، وهذا أمر لم يحصل، ولا يتمنى أحد أن يحصل على الارجح، لا في حق المواطنين اللبنانيين الشيعة ولا أحزاب 8 آذار.

 

يقال إن الجاليات في دول الخليج تضخ ما يعادل نصف تحويلات المغتربين من الخارج الى الداخل اللبناني، أي ما يعني مبلغاً يراوح بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار اميركي سنوياً، اضافة الى المال الذي يتم صرفه نقداً او تقليدياً، ولا يتم تحويله عبر القنوات المالية المعروفة. والمشكلة الاكبر هي في كيفية حل هذه المعضلة بين الحسابات السياسية المتراكمة للاحزاب اللبنانية، وتحديداً "حزب الله"، ومصالح ابناء الجاليات الذين لا يجدون عنواناً واحداً للعودة الى لبنان سوى البطالة وعدم الانتاجية. والامل لديهم في حكمة سلطات الدول الخليجية وقدرتها على الفصل بين الشأن السياسي ورغبة المواطنين اللبنانيين في تحصيل رزقهم وصون عائلاتهم.