جيب عسكري إسرائيلي يتقدم وسط مخيم عايدة للاجئين في مدينة بيت لحم في الضفة الغربية، ثم ينادي جندي إسرائيلي أهالي المخيم عبر مكبر للصوت، قائلاً: «نحن الجيش الاسرائيلي، اذا لم توقفوا رمي الحجارة، سنضربكم بالغاز، سنضرب الكبير والصغير الى أن تموتوا جميعاً».

ويبدو ان الجنود لم يكونوا يعلمون ان ما يفعلونه وسط هذا المخيم مسجل بالصورة والصوت، وانه سينتشر، بعد قليل، عبر الشبكة العنكبوتية حول العالم، ما أجبر قادة الجيش الاسرائيلي الى الاسراع في إجراء تحقيق والاعلان عن توقيف الجندي.

ظهرت خلال الهبة الشعبية التي تشهدها الأراضي الفلسطينية المحتلة عشرات أشرطة الفيديو التقطت عبر هواتف ذكية وثّقت الخروقات والانتهاكات والجرائم الإسرائيلية. ومن هذه الفيديوات عملية قتل جريح وسط مدينة الخليل من دون ان يشكل أي تهديد على حياة الجنود، وملاحقة جيب عسكري اسرائيلي شاباً فلسطينياً ودهسه عند المدخل الشمالي لمدينة رام الله ثم اعتقاله، ورش ضابط اسرائيلي غاز الفلفل الحار في عيون عدد من رجال الإسعاف والصحافيين من مسافة صفر.

فتحت هذه الفيديوات، التي انتشرت عبر «يوتيوب» وغيرها من مواقع الانترنت والتواصل الاجتماعي، الطريق أمام منظمات حقوق إنسان محلية ودولية لفتح تحقيقات في الانتهاكات الإسرائيلية. وبيّنت هذه التحقيقات، وبينها تحقيق أجرته منظمة العفو الدولية وآخر أجرته منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية، ان عدداً من الضحايا الذين ادعت السلطات الإسرائيلية انهم حاولوا طعن جنود، قُتلوا بدم بارد.

وتشير الاحصاءات التي تجريها مؤسسات مختصة الى ان حوالى 1.8 مليون فلسطيني في الضفة وقطاع غزة، البالغ عدد سكانهما 4.5 مليون، يستخدمون الهواتف الذكية. وأتاح الاستخدام الواسع لهذه الأجهزة للفلسطينيين توثيق الكثير من الانتهاكات الإسرائيلية.

وشجعت النتائج الكثير من الشبان الفلسطينيين على تشكيل مجموعات ينتشر أفرادها في مواقع الاحتكاكات والاشتباكات لتوثيق هذه الانتهاكات بالصورة والصوت. وقال زياد خليل (20 سنة)، الذي التقط صورة الجندي الإسرائيلي وهو يهدد أهالي مخيم عايدة، أنه بات يخصص وقتاً أطول لمراقبة الممارسات الإسرائيلية وتوثيق انتهاكات الجنود. وأوضح ان الجنود في ذلك اليوم كانوا يتعمدون إطلاق قنابل الغاز المسيلة للدموع على نوافذ المنازل مباشرة كي تكسر الزجاج وتدخل الى قلب البيوت وتوقع اصابات مباشرة.

وفي مدينة الخليل انتظم حوالى خمسين شاباً في مجموعة أطلقت على نفسها اسم «شبان ضد الاستيطان»، ينتشر أفرادها في المنطقة الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية من المدينة على مدار الساعة بهدف توثيق انتهاكات الجنود.

وقال مؤسس المجموعة عيسى عمرو (32 سنة) ان «المجموعة وثقت عشرات الجرائم والانتهاكات الاسرائيلية، ووزعت صور الانتهاكات والجرائم على وسائل الإعلام الأجنبية والعربية والمحلية، إضافة الى منظمات حقوق الانسان لتقوم بدورها بنشرها والتحقيق فيها» وبينها عمليات قتل بدم بارد في قلب مدينة الخليل، حيث يرتكب المستوطنون والجنود اعتداءات يومية على سكان هذه المنطقة بهدف إفراغها من سكانها وتحويل البلدة القديمة الى حي يهودي وتحويل الحرم الإبراهيمي الى كنيس يهودي.

وينتشر على مقربة من الحرم عدد من النشطاء الفلسطينيين يحملون كاميرات وأجهزة هاتف ذكية لالتقاط صور لانتهاكات الجنود والمستوطنين. وقال عمرو: «هذه معركة يشكل الإعلام سلاحاً رئيسياً فيها. يجب ان يعرف العالم اي احتلال يواجهه الشعب الفلسطيني، وبعد ان يعرف عليه ان يتدخل».