في هذه الأيام العظيمة، وبمناسبة الذكرى السنوية لفاجعة الطف، واستشهاد سيد شباب أهل الجنة، لم أتمالك نفسي وأنا أقرأ مسرحية (الحسين ثائراً) للشاعر الكبير عبد الرحمن الشرقاوي، والتي حاول من خلالها أن يقدم للمشاهد العربي أروع ملحمة بطولية عرفها التاريخ الإنساني. لم أتمالك نفسي إلا والدموع تنهمر على وجهي، وكنت أردد: اللهم أحشرنا مع الحسين وأنصار الحسين.

https://www.youtube.com/watch?v=Be0c-xwOgso

كتب الشرقاوي هذه المسرحية وأهداها إلى أمه التي علمته منذ طفولته أن يحب الحسين. ذلك الحب الحزين الذي يخالطه الإعجاب والإكبار والشجن، ويثير في النفس أسى غامضا وحنينا إلى العدل والحرية والإخاء وأحلام الإخلاص. يستعرض الشرقاوي في إحدى المشاهد مراوغات الوليد بن مروان، ومحاولاته لانتزاع البيعة من الحسين بن علي بن أبي طالب.

قال الوليد: نحن لا نطلب إلا كلمة فلتقل: بايعت، واذهب بسلام لجموع الفقراء، فلتقلها وانصرف يا ابن رسول الله حقنا للدماء فلتقلها. آه ما أيسرها. إن هي إلا كلمة. رد عليه الحسين: (منتقضا): كبرت كلمة، وهل البيعة إلا كلمة ؟. ما دين المرء سوى كلمة. ما شرف الرجل سوى كلمة. ما شرف الله سوى كلمة. أتعرف ما معنى الكلمة يا ابن مروان ؟. مفتاح الجنة في كلمة. دخول النار على كلمة. وقضاء الله هو الكلمة. الكلمة نور وبعض الكلمات قبور. بعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل.  الكلمة فرقان بين نبي وبغي. بالكلمة تنكشف الغمة. الكلمة نور ودليل تتبعه الأمة. عيسى ما كان سوى كلمة أَضاء الدنيا بالكلمات، وعلمها للصيادين فساروا يهدون العالم. الكلمة زلزلت الظالم. الكلمة حصن الحرية. الكلمة مسئولية. الكلمة شرف الإنسان. الكلمة نور الرحمن.

ثم قال الحسين: أتقتلني يا ابن الزرقاء بقولة جدي فيمن نافق ؟. أتزيف في كلمات رسول الله أمامي يا أحمق ؟. أتقتلني يا شر الخلق ؟. أتؤول في كلمات الله لتجعلها سوط عذاب تشرعه فوق امرئ صدق ؟.

رحل الشرقاوي إلى جوار ربه عام 1987، ولم يحالفه الحظ في مشاهدة مسرحيته التي كتب فصولها بدموعه فأهداها لأمه، كان أعداء الكلمة هم الذين أعلنوا وقوفهم ضد كلمة الحسين التي ظلت تصدح في أرجاء الكون كله. عندما خاطب مرتزقة يزيد بن معاوية: لا والله. لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد. ظلت كلمته كالمطر النازل من السماء. تسيل به الأودية. تفيض به العيون. تسقى به الأرض بعد موتها. ينتفع بها طلاب الحرية والإنعتاق من الظلم. أعظم الجهاد كلمة حقعند سلطان جائر.

ما كانت كلمة الحسين تُقال لِتُقمَع. بل لكي يظهر أثرُها ويسْطَع. ويزهق الباطل ويُقلع. كانت كلمة نورانيَّة، وحجَّة ربانيَّة، ومنحة إلهيَّة، فالحق كلمة وصوت رباني في وجه الباطل. تُزلزل كيانه. تحطم أركانَه. تقهره وتُهلكه، حتَّى يصل الهلاك إلى دماغه، فيعطب ويتلف، قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ. فالحق ناطق ساحق ماحق، والباطل مخبط مخلط زاهق. قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا.