النفَس المريمي يقوى في الصيف بسبب من بعض الأعياد الموضوعة فيه ولكنه يحيينا في كل حين. سأحاول ان أتحدث عن مريم وهي ما كانت تحب الكلام حسبما تروي الكتب المقدسة لأفهم ما قيل عنها في الوحي. فتاة من فلسطين تسمع من السماء انها مدعوة إلى أن تصبح أم المخلص وتفهم حين الدعوة ما استطاعت. كيف طن في أذنيها كلام الملاك انها ممتلئة نعمة أو انها مباركة في النساء وبخاصة هذا الذي قيل لها عن الطفل الذي ستضعه؟ كيف كلام يدخلنا في السرّ الإلهي؟ ما كان المهم ان تفهم كثيرًا. مبتغى الله ان تطيع، ان تصبح صورة عن كل نفس مؤمنة تلد المسيح في العالم بالإيمان والحب. مبتغى الله في كل من اصطفاه للقداسة ان يصبح قدوة. أمومتها للمسيح على أهميتها الموضوعية ان توحي لنا ان كل نفس مدعوة ان تلد المسيح في العالم لئلا يبقى العالم عاقراً.
إلحاح المسيحية على بتوليتها ليس مجرد إقرار بأنها لم تعرف رجلاً. هو دعوة إلى ان يدخل كل منا في سر البتولية المدعو إليها في روحه أي ان يكون، كما تؤكد اللغة العربية. مأخوذًا إلى البتولية في معناها الأصيل أعني الانقطاع عن كل شيء في سبيل الله. ان يكون الإنسان متزوجا أو غير متزوج لا يهم الله. هذا وضع اختاره في الإيمان. ولكن ان يصبح فقط كائنا إلهيا هذا ما يهم الله. يجب ان تتحرر النفس المسيحية من المقارنة بين الزواج وعدمه. السؤال الوحيد هو هل نفسك قرينة الله أم تخلط معه أشياء أخرى؟ العمق في بتولية مريم انها لم تمزج شيئا بربها. المسيحية أعلى من الحديث في موضوع الجنس. هذا لا يأتي الا إضافة إلى الحديث عن انصرافك لربك.
الحديث في مريم من أدق الأحاديث عندنا. صعوبته في تجاوز العقيدة إلى العاطفة المفرطة أو في إهماله كما عند قوم. مريم جذابة وهذا في الكتاب الإلهي. بعض يخشى هذه الجاذبية ويحيد عن الكلام. وبعض تروقه فيسهب. كيف تكون محتشمًا في الحديث عن أم المسيح ولا تنقصها حقها؟ الذين تجاهلوها في العالم المسيحي ظنوا انهم متعلقون بإكرام السيد فقط ولكن من قال لهم إن يسوع يريد التوجه إليه وحده؟ الكنيسة تقول للقديسين إكرام لا عبادة ونحن عند ذلك بوضوح. أنا واثق من ان أحداً من المؤمنين مهما كان مولعا بقديس لا يعبده.
أنت تخشى عبادتهم؟ ليس الحل في ان تلغيهم. الحل في تصحيح موقف المؤمنين البسطاء وان ترشدهم إلى العدل في التقوى. هنا ارجو الا يتهم أحد اخوتنا الإنجيليين باطلاً. هم يحبون القديسين مثلنا ولكن لا يتوسلون إليهم. أنا لا أعاتبهم على ذلك ولكني أرجو ألا يفهموا اننا نعبدهم ونجعلهم في مصف الرب. هذا غير صحيح. أنا لا انتقص من وحدانية المسيح ومحوريته اذا كرمت أصدقاءه الذين ادعوهم قديسين. لا بد من جهد حقيقي عند كل فريق عقائدي عندنا ان يفهم الآخر كما يفهم هو نفسه لا ان يعاتبه على ما ليس يؤمن به. أنا لا أحرج المسيحي الإنجيلي حتى يتبنى إكرام القديسين في صلاته الرسمية. اتمنى فقط ان يفهم اني لا انتقص شيئاً من ربوبية المسيح إن أكرمت أحباءه.
من هذا المنظار اتمنى ان يفهم اخوتنا الإنجيليون اننا لا نضيف مريم الى المسيح في اعطائها قدرة تضاف الى قدرته. القضية أبسط مما يظنون. إكرامنا ليس أكثر من إظهار حب لهؤلاء الذين سبقونا إلى القداسة. الاتهام اننا نؤله مريم غير مؤسس على نصوصنا المريمية. تكريم القديسين ليس شركا. هو فقط الاعتراف بأن محبتنا للسيد تستتبع محبتنا لأحبائه. هذا فيض حب لا شرك.

المطران جورج خضر
النهار