تكثُر التحليلات والتوقعات عن لقاء الفاتيكان الذي عُقد في 1 تموز الجاري بين قداسة البابا فرنسيس ورؤساء الكنائس في لبنان، على رغم أنّ هذا اليوم كان مخصّصاً للتأمل والصلاة من أجل لبنان، ومن أهدافه استماع الحبر الأعظم الى وجهات نظر القادة المسيحيين الروحيين عن الوضع اللبناني، فيما كان البابا مكتفياً بالإنصات الى البطاركة خلال الإجتماعات ولم يُبدِ رأياً، بل حدّد وجهة نظر الكرسي الرسولي في الكلمة التي ألقاها في ختام هذا النهار، والتي كانت واضحة ومباشرة. وبالتالي، إنّ كلّ ما يُحمَّل لهذا اليوم الفاتيكاني - اللبناني وما يُفسّر عن كلام قداسة البابا هو مجرد تحليلات أو توظيفات، بحسب مصادر مطّلعة على لقاء 1 تموز.

 

البابا فرنسيس أكد في كلمته المؤكّد باستمرار من الكرسي الرسولي، ومن أسلافه: لبنان الرسالة ونموذج العيش معاً. وطالبَ بالكَف عن استخدام لبنان لمصالح ومكاسب خارجية، ودعا القادة السياسيين فيه الى أن يجدوا وفق مسؤولياتهم حلولاً عاجلة للأزمة. وبدعوته هذه، يقصد الحبر الأعظم تأليف حكومة والخروج من المصالح الضيقة، بحسب مصادر ديبلوماسية.

 

وأتى لقاء 1 تموز تتويجاً لمسار من الدعم الفاتيكاني للبنان، والذي لن ينتهي. وانطلاقاً من مبدأ مُسلّم به أنّ «الكرسي الرسولي لن يترك لبنان»، ستكون هناك متابعة للوضع اللبناني في مرحلة ما بعد اللقاء، وهذه المتابعة تتطلّب تحضيراً ووقتاً، وتَشاركاً في المسؤوليات بين لبنان والمجتمع الدولي ومن ضمنه الفاتيكان الذي يرحّب بأي متابعة أو مساعدة أو دعم للبنان. لكن، في الوقت نفسه، يكمن التحدي الأساس في لبنان، والذي ينطبق على الفاتيكان وعلى المجتمع الدولي عموماً، في أنّ الطريق إذا كانت غير مفتوحة، أي لا يوجد سلطة مسؤولة وحكومة، فإنّ أي دعم للبنان على الأصعدة كلّها من المجتمع الدولي ستكون له حدود، والدليل ما يحصل الآن، إن لجهة الفاتيكان بحيث يدعم مؤسسات منها تابعة للكنيسة، وإن للمجتمع الدولي عموماً، بحيث عقد مؤتمر لدعم الجيش حصراً على سبيل المثال، بحسب ما توضِح المصادر نفسها. وفيما لا يكفّ الكرسي الرسولي عن طرح دعم لبنان ومساعدته مع الدول الكبرى والمؤثرة، تماماً كما طرح مع وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية أنتوني بلينكن، بحيث أعربَ الفاتيكان عن رأيه بالحاجة الى دعم لبنان والشعب اللبناني بكامله، من مسيحيين ومسلمين، بات هذا كلّه مرتبط أكثر، يوماً بعد آخر، بالوضع في لبنان، وبمَن سيتلقّى هذا الدعم وكيف سيجري التعامل معه؟

 

على صعيد الموقف الفاتيكاني، لم يتبنَّ البابا في كلمته أي مشروع معيّن في لبنان. وانطلاقاً من ذلك، إنّ أي تفسيرات لكلام الحبر الأعظم لا تعدو كونها إلّا تحليلات أو توظيفات لمشاريع واقتراحات تُطرح، ولا تعني الكرسي الرسولي ولا يتدخّل فيها، مثل الحاجة الى عقد مؤتمر تأسيسي جديد للبلد. وبالتالي، إنّ كلمة البابا تعبّر عن توجهات الكرسي الرسولي، وفق ما تشير المصادر المطّلعة، مركّزةً على أنّ الهَم الفاتيكاني كلّه ينصبّ على طريقة دعم لبنان ومساعدته للخروج من الأزمات التي يعانيها، وبأي وسيلة ممكنة، وأي طريقة تساعد البلد للخروج من أزماته، يدعمها الفاتيكان. وفيما أنّ هناك مساعٍ عدة الى دعم لبنان، لا مبادرات فاتيكانية في وقتٍ قريب، أي فور انتهاء اللقاء، خصوصاً أنّ العطلة السنوية الصيفية بدأت في الفاتيكان وتستمرّ الى مطلع أيلول المقبل. لكن حتى لو كانت هناك مبادرات جديدة، فلن تنفع إذا لم يتجاوب أحد في لبنان معها، بحسب المصادر إيّاها.

 

على صعيد «يوم التأمل والصلاة من أجل لبنان» شكلاً، كان يُمكن أن لا يحضره البابا أو يكتفي بالمشاركة فيه جزئياً، لو لم يكن لديه اهتمام وقلق كبير على لبنان. وعلى صعيد المضمون، كان من أهداف هذا اللقاء أن يستمع البابا فرنسيس الى وجهات نظر جميع المشاركين من رؤساء الكنائس في لبنان. وكان قداسة البابا ومعاونوه مستمعين ومُصغين بانتباه واهتمام ويدوّنون الملاحظات. وشكّلت مداخلات البطاركة معطيات إضافية الى تلك المكوّنة لدى الكرسي الرسولي. وكانت هناك مداخلات لجميع رؤساء الكنائس الذين أبدوا آراءهم حيال الوضع اللبناني، كلّ بحسب وجهة نظره والأولويات بالنسبة الى لبنان كما يراها. وسيأخذ الكرسي الرسولي في الاعتبار وجهات النظر كلّها والنقاش الذي حصل في الجلسات خلال ذلك النهار. كذلك حصلت بين البابا ورؤساء الكنائس تداولات في لقاءات جانبية. لكن، وبعكس كثير ممّا يُقال ويُكتب في لبنان، إنّ أحداً من رؤساء الكنائس في لبنان لم يأتِ الى الفاتيكان بأجندة سياسية لمصلحة طرف أو فريق أو دولة، بحسب ما تؤكد المصادر المطّلعة.

 

وتوضح هذه المصادر أن ليس هناك من دور مباشر للفاتيكان في تأليف الحكومة، فأمور لبنان التفصيلية الداخلية والتجاذبات السياسية غير معني بها إطلاقاً. وإنّ الكرسي الرسولي، بعد اللقاء الفاتيكاني اللبناني، يتابع من خلال قنواته الديبلوماسية دعم لبنان، ويحضّ المجتمع الدولي على إنقاذ لبنان الرسالة. وباتَ هناك زخم جديد لدعم الفاتيكان القائم منذ ما قبل اللقاء، وهو جاهز لتقديم أيّ دعم للبنان، إن كان ديبلوماسياً أو إنسانياً أو مادياً أو معنوياً، لكن كلّ تحرّك يأتي في وقته ولا شيء معدّ سلفاً. ويبقى الإشكال الأساس في كيف يمكن أن يؤثر هذا الدعم إيجاباً على لبنان في ظلّ غياب سلطة؟ وهذا لسان حال الفاتيكان وغيره من دول المجتمع الدولي.