رحل رجل الدين والمثقف العلامة السيد محمد حسن الامين، متأثراً بجائحة "كورونا" التي ألمت به منذ اسبوعين...

 

والأمين من عائلة دينية عاملية، تبدأ بالسيد محسن الأمين صاحب "رسالة التنزيه"، ولا تنتهي به، كان له حضوره في الشعر، وله مواقف سجالية في الثورات(العربية والإيرانية) والعلمنة والدولة المدنية وشيعة لبنان والزواج المدني، وهو من الشخصيات الدينية (الشيعية) التي لم تكن متماهية مع النموذج الثقافي الايراني، وإن كان مؤيدا للثورة الايرانية في بدايتها، وكان يعرف الخميني في أيام النجف، واختير في مرحلة كمنسق للتواصل بين ياسر عرفات وروح الله الخميني لمناصرة القضية الفلسطينية، وخلال مرحلة الثمانينيات كان يزور طهران ويلتقي شخصيات ايرانية وألقى ذات مرة شعرا في مدح الثورة، يبدو اليوم مستغرباً بعد تحول العلامة الامين ضد نظام ولاية الفقيه، وشعوره بالخيبة من ثورة كان يعول عليها، مثلما عول عليها الكثيرون من الشعراء والمثقفين اللبنانيين، ولكنهم حصدوا الخيبة من نظام الملالي...

 

 

ينتمي الأمين فكرياً إلى ما يسمى "العلمنة المؤمنة" مع العلامة الراحل هاني فحص. خطابه جذب الكثير من النخب الشيعية اليسارية والمدنية، كان يرى أنه "عندما نبحث عن مفهوم العلمنة أو العلمانية، نلاحظ أن هذا المفهوم في أذهان الكثيرين، لا أقول من العلماء والمفكرين الكبار، ولكن في غالبية المعنيين بالعلوم والمفاهيم الإنسانية، لا يعرفون بدقة حقيقة هذا المفهوم، والبعض ينسبه إلى الاشتقاق من كلمة العلم فيقولون عِلمانية بكسر "العين" ولكنه في الحقيقة هو مشتق من كلمة العالم وليس العِلم". ويغوص الأمين في أصل مفهوم العلمانية بقوله: "إن هذا الاتجاه انبثق في دائرة الصراع بين الكنيسة ودعاة الخروج عن سلطتها برحلة تاريخية شهدتها النهضة الغربية الأوروبية،  والتي كانت محاطة بمظهر التسلط من قبل الكنيسة سواء من ناحية السلطة السياسية، أو من ناحية تفسير الظواهر الكونية والاجتماعية تفسيراً دينياً كنسياً"، ويستنتج الأمين "أن العلمنة لا تعني شيئاً غير هذا المضمون الذي ذكرناه ولا علاقة لها بموضوعي الإيمان والإلحاد، فدعاة العلمنة ليسوا ملحدين بالضرورة، بل يمكن القول بأن أكثرية الدول التي اعتمدت العلمنة لم تفرض على شعوبها تبني عقيدة الإلحاد، وأن هذه الظاهرة أي ظاهرة الإلحاد، لم تأتِ من قبل العلمنة، وإنما أتت من ينابيع أيديولوجية أخرى كما حصل في الدول الشيوعية"...

 

 

ويعتبر الأمين في حديث آخر أنه لا يرى "فرقاً بين مصطلحي الدولة المدنية والعلمانية". ويستغرب من الذين "يهاجمون فكرة الدولة العلمانية في بلد كلبنان، النظام السياسي فيه علماني لأن مصادر التشريع لا تعتمد على دين أو شريعة دينية وكل ما في الأمر ولكي تصبح دولة لبنان مدنية أو علمانية بالشكل الصحيح لا يكون إلا من خلال تجاوز المحاصصة الطائفية في مسؤوليات الدولة إذ أن مشكلتنا ليست مع الدين، بل هي مع الطائفية السياسية"، و"الدولة المدنية أو "العلمانية المؤمنة" هي لحماية حق التديّن وليست بالضرورة علمانية لحماية الملحدين كما يصوّرها البعض". وفي موضوع الزواج المدني، ويخلص الأمين الى التأكيد "أن الزواج في الإسلام هو زواج مدني، أي لا يحتاج إلى إضفاء ما يسمى بالسرّ الكنسي أو الإلهي وهو أشبه بالعقود العادية التي تجري بين الناس وتلزمهم بشروط هذه العقود وبنودها".

 

 

حاول الأمين أن يخلق حيثية شيعية مغايرة للثنائي الشيعي، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط 2005، رعى تأسيس "اللقاء اللبناني الشيعي"، والذي ضمّ شخصيات شيعية متنوّعة لكنّ التحالف الرباعي بين حزب الله وتيار المستقبل وحركة امل والحزب التقدمي الاشتراكي، أجهض هذه التجربة وترك ذلك انعكاسات سلبية لدى الأمين والمجموعة القريبة منه، وبعضهم تحول الى "الممانعة". انكفأ الأمين لفترة سياسيا، وبقي يطلق مواقف فكرية من وقت الى آخر في العلمنة والثقافة، وبمجرد أنه لا يلتقي مع ثقافة "حزب الله"، كان الاعلام الممانع يتهمه بـ"شيعة الوهابية" أي التابع للسعودية، وهو وقف إلى جانب ثورات الربيع العربي، وكان حاضراً في الساحات إلى جانب السيّد هاني فحص،الذي رحل في العام 2014 وتركه وحيداً، فكتب له قصيدة نُقشت على ضريحه:

 

لا لا أريد بأن أراك فقيدا      قم واجلُ عن صدري الغيوم السودا

 

قم وارتحل بدمي وشقّ بمهجتي          قبراً وأوغل في حشاي بعيدا

 

واسكن شِغافَ القلب إنّ شغافه       عطشى فكُن مطراً لها ورعودا

 

 

وكان الامين وفحص أصدرا بياناً حول الثورة السورية، جاء فيه "من دون تفريق بين ظالم وظالم ومستبد ومستبد وشعب وشعب.. ندعو أهلنا الى الانسجام مع أنفسهم في تأييد الانتفاضات العربية والإطمئنان اليها والخوف العقلاني الأخوي عليها.. وخاصة الانتفاضة السورية المحقة"، وكان الأمين يقول: "أرفض ما يسمى بتحالف الأقليات ضد الأكثرية السنية، فأنا سني مثلما أنا شيعي". و"تجربة ولاية الفقيه لم تقدم للإيرانيين أو للمسلمين أي شيء". و"التبعية لنظام الأسد أو للنظام الإيراني ليست من العقيدة الشيعية في شيء". 

 

ولد العلامة الأمين في بلدة شقرا قضاء بنت جبيل سنة 1946، والده السيد علي مهدي الأمين. وتابع دراسته الابتدائية والمتوسطة في بلدته في الوقت الذي كان يتابع فيه دراسته على والده في علوم اللغة والنحو والصرف والمنطق. سافر إلى النجف عام 1960، فدخل كليّة الفقه وتخرّج منها في العام 1967، ثم تابع دراساته العليا حتى العام 1972، حيث عاد إلى جبل عامل وسكن بلدته شقراء حتى العام 1975. ودخل سلك القضاء الشرعي الجعفري عام 1975، ثمّ عُين قاضياً في مدينة صور حتى عام 1977 حيث انتقل إلى مدينة صيدا وبقي رئيساً لمحكمتها حتى سنة 1997 حين نُقل إلى المحكمة العليا مستشاراً...

 


وشارك في إصدار وتحرير (مجلة النجف) مع نخبة من الأدباء، وله كتابات فيها. وشارك في إصدار وتحرير (مجلة الكلمة) في النجف، وله كتابات فيها. وكتب العديد من المقالات في مجلة "عبقر" أيام تواجده في النجف. ومن مؤلفاته: الاجتماع العربي الإسلامي، نقد العلمنة والفكر الديني، بين القومية والإسلام، الإسلام والديموقراطية، مساهمات في النقد العربي، وضع المرأة الحقوقي بين الثابت والمتغير، حقوق وواجبات المرأة المسلمة في لبنان (مع آخرين)، الإمام محمد باقر الصدر، سمو الذات وخلود العطاء.