في نهاية سبعينيات القرن الماضي ربطتني بالشهيد حسن بزون(١٩٤٩-١٩٨٧) علاقة صداقة وزمالة، مع علاقة رفاقية حزبية في منظمة العمل الشيوعي، وحتى الآن ما زلتُ أحفظ من مزاياه الهدوء ودماثة الخُلُق، وصلابة العقيدة وصفاء الذهن مع ذكاءٍ حاد، توطّدت علاقتي الشخصية به بعد حادثة "تنظيمية" غريبة بعض الشيء في حينه، وطريفة بمنطق أيامنا اليوم: في شهر آذار عام ١٩٧٨، شنّت إسرائيل على لبنان حملة عسكرية عُرفت بعملية الليطاني، حيث توغّل الجيش الإسرائيلي حتى نهر الليطاني، وسيطر على هذه المناطق لمدة ثلاثة أشهر، وانسحب بعدها إلى الحدود الدولية، بعد أن سلّم شريطاً حدودياً للرّائد المنشق سعد حداد، على إثر هذه الحملة اضطرّتني ظروفٌ قاهرة على إخلاء المنزل الذي كنت أشغله بالإيجار في بلدة السلطانية،  وبلا طول سيرة، وجدتُ شقّةً استأجرتها في بيروت، وذلك بشقّ الأنفس، وإيجارٍ باهظ يقطع الأنفاس، وانتقلت عائلتي إلى بيروت مع أولادي الأربعة، وبقيتُ في مركز عملي كمُدرس في ثانوية جويا الرسمية، وعدتُ للسكن في منزل الأهل في البلدة، والتّردد إلى بيروت يوماً واحداً في الأسبوع، إلاّ أنّ الطامة الكبرى كانت "تنظيمية"، إذ اعترض الرفاق في المنظمة على نقل سكني إلى بيروت، ورأوا في ذلك مقدمة لانتقالي من الجنوب اللبناني إلى العاصمة، وقدّمتُ ما لديَّ من أعذار، مع تأكيدي على استمرار إقامتي في الجنوب، إلاّ أنّ القرار كان بإعادة الوضع إلى ما كان عليه، أي العمل على السكن في بلدة السلطانية أو جوارها في حال تعذّر ذلك، وإذ شعرتُ حينها بالإكراه والتّعدي على حقوقي الشخصية، وارتأيتُ أن أزور الرفيق حسن بزون وأعرض الأمر عليه، واستضافني على العشاء مع وجوب المبيت عنده، واستمعتُ إليه مليّاً بما يتعلق بالشؤون السياسية والتنظيمية والمهام الحزبية، وقبل الخلود إلى النوم، كان لا بدّ من الدخول في صلب الهدف من الزيارة، فعرضتُ له "المظلوميّة" التي أتعرض لها بسبب نقل سكني إلى بيروت، فأبدى تفهُماً واضحاً، أتبعه بامتعاضٍ بيّن، ووعدني بمعالجة الأمر مع "أولي الأمر"، وكانت المفاجأة في الأسبوع التالي، حين اتُّهمتُ بخرق الأصول التنظيمية، وتجاوز الخطوط الحمراء في "النضال" الحزبي،، عندما أفشيتُ "أسراراً" تنظيمية لقيادي حزبي في منطقة صور لا علاقة له بمنطقة بنت جبيل، وبعد سيلٍ من التوبيخ والتّقريع، تقرّر عرض الأمر على القيادة المركزية في بيروت للّبتّ في أمر الإضطراب الذي تسبّبتُ به، وامتثلتُ فوراً، وقابلتُ المسؤول ل"التّحقيق" معي، وكان في غاية اللطف والكياسة، وبعد أن استمع لي، قال هذا هراءٌ بهراء، لا شأن لنا بمكان سكن عائلتك، وأُقفلت "القضية".

 

 

إقرأ أيضا : اذكروا محاسن موتاكم..حافظ الأسد لم يوافق على عون رئيساً للجمهورية.

 
 

بعد عدة سنوات، وكنتُ قد انتقلتُ إلى الجهاز الإداري في وزارة التربية الوطنية، وفي ظهيرة أحد الأيام، عُدتُ إلى منزلي، لتُخبرني زوجتي بأنّ شخصاً لا تعرفه ينتظرني في الصالون، وكانت المفاجأة الرائعة: إنّه الرفيق حسن بزون، وبعد الترحيب والعناق، أخبرني أنّه انتقل إلى بيروت ليشغل موقع رئاسة تحرير جريدة بيروت المساء ( جريدة منظمة العمل الشيوعي)، وأنّه بعد أن استعرض عدداً من أصدقائه في بيروت، الذين يمكن أن ينزل في ضيافتهم، وقع اختياره عليَّ، ممّا زاد في افتخاري وغبطتي وزُهوّي بالثقة والصداقة الخالصة التي أولاني إياها، وهكذا أمضى بضيافتي ثلاثة أو أربعة أيام، كانت من أروع الأوقات التي امضيتها برفقة الصديق حسن بزون.

 

في مثل هذه الأيام من العام ١٩٨٧، وفي ذروة الفلتان الأمني في بيروت الغربية، تمهيداً لعودة القوات السورية إلى لبنان بعد خروجها عام ١٩٨٢ جراء الاجتياح الإسرائيلي، وفي غمرة المواجهات العسكرية والأمنية بين الميليشيات المذهبية والحزبية، قضى الشهيد حسن بزون في حادثة اغتيالٍ غامضة، لا ناقة له فيها ولا جمل، فسقط شهيداً للفكر والكلمة الحرّة، والرأي الصائب، وكان حسن بزون قد قدّم على صفحات بيروت المساء تحليلاتٍ ثاقبة وتاريخية حول حرب المخيمات الفلسطينية بين حركة أمل والفصائل الفلسطينية المعارضة للسياسة السورية في لبنان، وكان يرى بوضوح أنّ صراعات حركة أمل وحزب الله الدامية على أرض الجنوب ما هي إلاّ صراع نفوذ للسيطرة على الجنوب وقراره ومصيره.

 

ألف تحية لروحك أيها الصديق المناضل، يوم كان النضال لوجه الله لا نريدُ جزاءً ولا شكورا، في حين يُبذلُ اليوم  مقابل سبائك الذهب التي تُقطّع بالفؤوس ( كما تركها الصحابيّ الزبير بن العوام)، والدولارات الخضراء التي تُعطى كهبات أو تُتداول كقرضٍ حسن.