لعل من أولى واجبات السفراء والدبلوماسيين العاملين في دول خارج أوطانهم احترام التقاليد والأعراف الدبلوماسية للبلد المضّيف وعدم تجاوز تلك الحدود، ومن بينها عدم التدخل في الشؤون الداخلية والتعاطي باحترام لتقاليده وأعرافه، والتقيّد في الحركة والنشاط بما لا يؤدي إلى مسّ بالأمن الوطني والسياسي، وأن تكون وزارة الخارجية في البلد المعتمد فيه السفير أو الدبلوماسي هي المرجع في جميع هذه الشؤون، وهناك مواثيق دولية نظمت تلك العلاقات.

 

ويبدو أن النظام الإيراني لا يتعاطى بمثل هذه المقاييس ولا يلتزم بها، خصوصا في بعض البلدان العربية التي كان فيها أكثر حرية وحركة من أهلها (مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن)، اعتقادا منه بأن منطق “الثورة” غير المعترف بالحدود هو المعتمد، متغلبا على منطق الدولة. وكجزء من اعتبار النظام الإيراني أن العراق ساحته الأولى في أزمته الحالية مع إدارة واشنطن أطلق السفير الإيراني ببغداد ايرج مسجدي يوم 27 سبتمبر الماضي تهديداته العسكرية القوية بالرد العسكري على الولايات المتحدة من داخل العراق، تزامنت مع استهداف مقر السفارة الأميركية بهجوم مدفعي. وهو تصريح افتقد إلى اللياقة وتجاوز جميع الأعراف والتقاليد الدبلوماسية، وعرّض مصالح العراق العليا للخطر في ظروف بالغة التعقيد في الخليج والمنطقة، ويجعل من العراق فعليا ساحة للصراع وفي خانة الانحياز لإيران، وهو موقف أحرج الرئيس العراقي الذي أعلن عدم القبول “بجعل العراق ساحة صراع وأن تكون أراضيه منطلقا للعدوان تجاه الجيران والأصدقاء”.

 

النظام الإيراني لا تهمه مصالح العراقيين بل كيفية مواجهة سياسات الخنق التي يتعرض لها، فما بين يديه هو وكلاؤه يملي عليهم تعليمات المواقف والسلوكيات التخريبية. لقد استنكرت الأوساط الشعبية العراقية هذا التصرف من السفير الإيراني عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبعض القنوات العربية والعراقية المستقلة، وسبق لجمهور مدينة البصرة أن عبّر عن رفضه لنفوذ إيران عبر شعار “إيران برّة برّة”، وتم استهداف القنصلية الإيرانية في البصرة. لقد أصبح السفير الإيراني بمثابة “بريمر رقم اثنين” في العراق في استباحته للسيادة والاستقلال، وكان هذا السفير إلى جانب زميله الجنرال قاسم سليماني يتحركان بحرية خلال فترة الانتخابات الماضية عام 2018 في مواجهة النشاط المحدود لمبعوث الرئيس الأميركي بريت مكغورك والسفير الأميركي ببغداد، لكي يتحقق هدف تقدم العناصر الموالية لطهران داخل البرلمان والحكومة، بما يجعل المناخ السياسي والمواقف اللاحقة أكثر فعالية لصالح “المقاومة” التي تقودها إيران.

 

إن سفير إيران في بغداد يتحرك دون حدود ضاربا عرض الحائط جميع الأعراف، وقد نشرت له صورة قبل أيام وهو يجتمع بمديرة تربية محافظة نينوى في مقر منظمة “بدر” الموالية لإيران، وليس في مكتبه الرسمي بالسفارة. هل يمكن تصور حالة أكثر فضائحية من هذا التدخل السافر في الشؤون الداخلية العراقية دون أن يجرأ أحد أن يمنعه من ذلك. بل إن سياسيين كثر وبينهم ممن يدعون تمثيلهم للسنّة في العراق يتباركون في لقائه في سفارته أو أماكن خاصة أخرى. وللمقارنة والتذكير فقط، فقد سبق لوزارة الخارجية العراقية ووزيرها إبراهيم الجعفري أن طلبا من الحكومة السعودية سحب سفيرها، ثامر السبهان، بدعوى تجاوزه لحدوده خصوصا بعدما نُسبت إليه من تصريحات ناقدة لبعض فصائل الحشد الشعبي.

 

لكن الحقيقة أن الحملة أطلقت ضده قبل وصوله إلى بغداد من قبل بعض البرلمانيين الإيرانيين في طهران، وامتدت هذه الحملة وتصاعدت بعد ذلك من قبل التيار اليميني المتطرف الموالي لطهران داخل البرلمان العراقي في تهديد شخصي ضده، حيث طالبت إحدى البرلمانيات “بطرد هذا السفير وإلا فسيلاقي مصيرا آخر”. وتم التعرض إلى تاريخه الشخصي بسبب وظيفته السابقة كملحق عسكري في لبنان، وهذا لم يكن انتقاصا منه. أليس السفير الإيراني مسجدي كان يعمل قائدا في الحرس الثوري قبل مجيئه كسفير في بغداد.

 

كان من المفروض أن تتصرف وزارة الخارجية ووزيرها الجعفري مسبقا وقبل وصول التعليمات الإيرانية بطريقة لائقة، فتعتذر عن قبول اعتماده ضمن السياقات الدبلوماسية، هل يتساوى تصرف السفير السعودي بما يتصرف فيه السفير الإيراني فوق العادة وبريمر اثنين في العراق مسجدي. وهل وصلت المجاملة للقوى السياسية ومراكز التأثير في القرار العراقي إلى ألا يبلغ رئيس الحكومة وزارة الخارجية بتنبيه السفير الإيراني إلى الأضرار التي ألحقتها تصريحاته بالسيادة العراقية، ثم يوعز إلى وزارة الدفاع بإطلاق التصريح المتواضع بأن الأراضي العراقية “خط أحمر”؟ وما علاقة وزارة الدفاع بموقف دبلوماسي وسياسي بامتياز مكانه وزارة الخارجية وليست وزارة الدفاع، لكن التفسير واضح لمبتدئ في السياسة؛ وهو أن رئيس الحكومة لا يستطيع مواجهة الند للند مع دولة ثانية في حالة إيران.

 

التداعيات السياسية في العراق لا تنحصر في السياسات الداخلية وتفشي الفساد والسرقة ونقص الخدمات في البلد، وإنما في التناقض ما بين الإعلانات الرسمية بعدم السماح لأن يكون العراق ساحة للصراع وألا يكون في محور ضد آخر، وبين الوقائع التي تقول إن العراق أصبح في محور ضد آخر، ولا تنفع اللمسات الدبلوماسية التي يطلقها رئيس الجمهورية في خطاباته الخارجية، أو رئيس الحكومة في زيارته الودية للرياض مثلا. الحقيقة أن إيران أصبحت تهدد مصالح العراق العليا، فأين الدعوات للأشقاء العرب في إعانة العراق وإعادة إعمار مدنه المخربة وبشرها المسحوق، وهل يتوقع أي سياسي متواضع أن تقوم السعودية ودول الخليج بضخ المليارات من الدولارات في بلد غير مستقر أمنيا تهدده الميليشيات في كل لحظة، ولا أحد يعرف تداعيات أزمة طهران واشنطن؛ هل تنتهي بانتظار رحيل دونالد ترامب كما يتمنى النظام الإيراني؟ ولماذا يربط مصير العراق بالأوضاع المتردية التي يعيشها ذلك النظام، وهل رئيس الحكومة غير قادر على ضبط الفصائل المسلحة الولائية وإزاحتها عن القرار السياسي والأمني العراقي. إن الصمت والصبر على اختراقات إيران للبيت العراقي يجعلان من أساسيات الدولة والنظام والسيادة محل شك كبير.