لا بد أن أحداً، رجلاً أو مؤسسة أو أرشيفاً أو سفارة أجنبية، يقوم على تدوين يوميات لبنان وأحداثه وحالياته وتحولاته. أنا، لا أفعل. ليس لديّ أي دافع أو أي اهتمام، إضافة إلى أنني قد فقدت الهمّة، على كل ما لا معنى له، «وضاق خلقي» على العبث، وضاق صبري، وعلمني بلدي أقسى وأذل درس في العمر: أنا لست بلدك. فتش لعائلتك عن بلد سواي.


لم يقل ذلك اعتباطاً. كان قد قرأ صحف الصباح والمساء. ورمى الواحدة فوق الأخرى. ودقق في النصوص والخطب «الرسمية». ثم في الصور. ورآها معكوسة. الذي إلى اليسار في الصورة الأولى هو إلى اليمين في الثانية. وهو خارجها في الثالثة. وفي الصور التالية هو «بالشورت».


قلت له، هدئ أعصابك، ما الجديد في الأمر؟ قال غاضباً: الجديد هو المصور يا حميري. ألم ترَ أنه يعتمر نصف قبعة ونصف طربوش كل نصف بثلاثة ألوان؟ قلت ما الجديد في الأمر. هذه مستجدات التكنولوجيا. ثم إن المصور الذي قبله أحيل على التقاعد وأحيلت آلته على المستودع لسببين: هو أصيب بالعمى من كثرة ما رأى، وهي تفككت من كثرة ما أعماها تبدل الألوان.


ثم قلت للسيد وطن متفلسفاً، متفذلكاً، وبالكثير من «الهضامة» اللبنانية السائدة: وأيهما أهم، في كل حال، المصور أم الصورة؟ ورمى كدسة الصحف إلى أبعد وقال: في أهمية بعضهما بعضاً. هو - المصور - يعتقد أنه التقط صورة ما يراه، وهي تضحك لكثرة ما رأت، إلى اليمين، إلى اليسار، الوسط، الابتسامات، المنصات، المائدات، القاعدات، القائمات، الفائزات، الرائقات. ثم بالمذكر: القائمون، الفائزون، المهددون، الغاضبون، الرائقون. ويرى في الصورة.


ماذا يكتب المدونون؟ يا صاحبي، شغلة المدون أن يدون ما حدث، وشغلة المصور أن يحضر إلى الاحتفال على الوقت. كل شيء آخر ليس من شأنهما. بل ليس من شأن أحد. ألم تتعلم بعد تلك اللافتة التي رفعناها على جميع مداخل الوطن البرية والبحرية والجوية: ابتسم، أنت في لبنان؟ إذن، تفضل ابتسم. وإذا كانت لديك حلول أخرى، تفضل تكرَّم بها. ابتسم، خير لك من الضحك.