لا جديد على الحدود الجنوبية، سوى استمرار حالة الهدوء مع غياب مظاهر التصعيد، ما خلا التهديدات الاسرائيلية التي لم تتوقف في اتجاه «حزب الله» والتوعد بردود قاسية في ما لو استهدف الجانب الاسرائيلي، الّا انّ الداخل اللبناني، ما زال ينتظر ان تصدق وعود السياسيين في وضع البلد على سكة الانقاذ الاقتصادي واتخاذ الخطوات اللازمة في هذا الاتجاه. وهي الخطوات التي لم يرها الموفد الفرنسي المعني بملف «سيدر» السفير بيار دوكان، بل انه حرص قبل مغادرته على «جلد» اللبنانيين على تقاعسهم في اتخاذ هذه الخطوات، ونقل البلد الى مدار المعالجة الجدّية، لا ان يبقى في مدار التنظير والمزايدات. وانتهى الى منح لبنان فرصة، ربما تكون الاخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

على الخط الحدودي، اكّد المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وإفريقيا ميخائيل بوغدانوف، لموفد رئيس الحكومة جورج شعبان موقف روسيا الثابت الداعم لجهود «اليونيفيل» والالتزام بالقرار 1701، واحترام سيادة لبنان ووحدته وسلامة أراضيه. وجرى التشديد على أهمية منع تكرار حوادث تصعيد، كالذي وقع أواخر الأسبوع الماضي.

دعم مصري
وتوازى الدعم الروسي مع دعم مصري ابلغه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، حيث اكّد الرئيس المصري «الاعتزاز بعمق العلاقات الوطيدة بين لبنان ومصر على المستويين الرسمي والشعبي»، مشدداً على حرص مصر على سلامة وأمن واستقرار لبنان، وتحقيق المصالح الوطنية اللبنانية وتجنيب لبنان مخاطر الصراعات في المنطقة، وذلك في اطار الاهتمام المصري الدائم بكل ما فيه مصلحة للبنان وشعبه».

مجلس الأمن
يأتي ذلك، في وقت كانت المستجدات الامنية الأخيرة امام مجلس الامن الدولي، حيث نقلت وكالة (ا ف ب) عن مصادر دبلوماسية أنّ واشنطن عرقلت صدور إعلان عن مجلس الامن، بعد أن رفضت تضمينه أي انتقاد لاسرائيل.

وبحسب الوكالة، فإنّ الصياغة الأولى لمشروع الإعلان تضمنت 6 نقاط تعبّر عن «قلق مجلس الأمن العميق» ازاء الخروقات على الحدود بين لبنان واسرائيل.

وجاء أيضاً في مشروع الإعلان الذي أعدّته فرنسا، «أنّ أعضاء مجلس الأمن ينددون بكل الخروقات للخط الأزرق أكانت من الجو أو من الأرض، ويدعون بحزم كل الأطراف الى التزام وقف أعمال العنف».

وأفاد دبلوماسيون في الأمم المتحدة، أنّ الولايات المتحدة رفضت مرتين التزام الصمت، أي عدم الاعتراض، بهدف إقرار النص. لا بل طالبت في البداية بتضمينه إدانة مباشرة لـ»حزب الله»، قبل أن تطالب أيضاً بإزالة أي إشارة ولو ضمنية الى مسؤولية تتحمّلها اسرائيل في هذا التوتر.
وقال دبلوماسي شارك في هذه المشاورات، إنّه لم يكن من الوارد بالنسبة الى واشنطن أن تضع على قدم المساواة، اسرائيل من جهة التي تعتبر أنّها تدافع عن نفسها، و»حزب الله» الذي تعتبره منظمة ارهابية من جهة اخرى.

وتابعت المصادر نفسها، أنّ سائر أعضاء مجلس الامن لم يوافقوا على الطلب الاميركي، ما أدّى في النهاية الى التخلّي عن إصدار الإعلان.

دوكان متشائم
داخلياً، انهى السفير بيار دوكان زيارته وغادر الى باريس. ولعلّ ما ادلى به من مواقف قبل مغادرته بما تضمنتها من انتقادات مبطنة للتقاعس اللبناني في ما خصّ التعاطي مع متطلبات «سيدر»، بدا وكأنّه يقول فيها للمسؤولين اللبنانيين، انّ هامش المناورة انتهى، وانّ الوقت بات داهماً قبل السقوط الكبير، وانّ عليهم عدم انتظار اعجوبة تنقذ البلد، لأنّ ذلك لن يحدث.

وبدا دوكان متشائماً وهو يعدّد الثغرات التي لا تزال قائمة. كما انّه بدا مُلمّاً بكل تفاصيل الوضع الاقتصادي والمالي وكأنّه يقول للمسؤولين، لا تحاولوا التلاعب والتذاكي، كل الامور باتت مكشوفة ومعروفة، ولم يبق امامكم سوى البدء فوراً بالاصلاحات المطلوبة، أو تحمّل مسؤولية ما ينتظر البلد.

وليس أدلّ من واقعية دوكان ما قاله في توصيف الوضع الحالي، «أنهيتُ عملي خلال الأيام الأخيرة بشعور قوي وانطباعات قوية، أوّلها انّ الوضع المُلحّ للوضع الاقتصادي مفهوم وواضح، بحيث لا يمكن ان نجد مؤشراً اقتصادياً ومالياً واحداً ليس سيئاً».

وركّز دوكان على ضرورة الاسراع في انهاء مشكلة الكهرباء التي تستنزف الخزينة بلا مبرر. وطالب بالالتزام في البدء برفع التعرفة ابتداء من اول كانون الثاني 2020.

وقال مصدر في الكهرباء لـ»الجمهورية»، انّ المطلوب رفع التعرفة في 1 كانون الثاني بنسبة 43%. لكن ينبغي الاستمرار في رفع تدريجي لتعرفة الكهرباء وصولاً الى نسبة 230% لتأمين التوازن المالي في المؤسسة، ووقف الاعتماد على الدعم من الخزينة. 

بعبدا
ومع مغادرة دوكان بيروت، عبّرت مصادر وزارية مقرّبة من قصر بعبدا لـ «الجمهورية» عن ارتياحها لمواقف دوكان وخصوصاً عندما وضع الإصبع على العديد من الجروح اللبنانية. وابدت المصادر تفهماً للملاحظات التي عبّر عنها. واعتبرت ان دوكان كرّر ما قاله لبنان في الكثير من النقاط التي أُقرّت في لقاء بعبدا وما تجهد الحكومة بشأنه، معتبراً انّ اولويات لبنان باتت واضحة ولا بدّ ان تبتّ الحكومة بما هو مطلوب منها وما هو متوقع ان يقوم به مجلس النواب سيتم في المواعيد المحددة.

 
 

السراي
والتقت مصادر بعبدا مع تأكيد مصادر السراي الحكومي لـ»الجمهورية» على أهمية انطلاق الخطوات التي سيتخذها لبنان لملاقاة الدعم الدولي. ووصفت مذكرة الرئيس الحريري التي اصدرها امس الاول الى الوزارات والمؤسسات العامة والهيئات المستقلة الواقعة تحت غطاء القطاع العام من اجل توصيف الوضع الوظيفي، بأنّها مذكّرة جدّية للغاية. وقالت انّ الهدف منها تحديد حجمها ومدى حاجتها الى كل موظفيها، وتحديد الفائض كما النواقص في العديد منها.
ووصفت مصادر حكومية لـ»الجمهورية» هذه الخطوة بالمهمة على طريق اصلاح القطاع العام وانهاء مقولة الفائض. فإن صحت بعض المواقف التي تتحدث عن التخمة في بعض مؤسسات القطاع العام فانّ ذلك لا ينطبق على مؤسسات أخرى خسرت ثلث كادراتها وباتت معظم مواقعها مشغولة بالإنابة او بالتكليف.

جابر
من جهته، قال النائب ياسين جابر لـ»الجمهورية»: «لم يعد هناك مجال لتضييع الوقت، حضر دوكان وقال لنا انّ لبنان مريض والعلاج في ايديكم، وعلينا ان نقتنع ان المريض يحتاج الى علاج، وكلما تأخّرنا في تقديم هذا العلاج سيستفحل المرض اكثر وتصعب معه اي امكانية للعلاج».
واشار جابر الى انّ «الفرصة ما زالت متاحة، ولقاء الاثنين الاقتصادي السياسي الذي انعقد في بعبدا، حدّد الاسس لكيفية المعالجة، وهنا المطلوب ان يُواكب هذا اللقاء بالمنحى التنفيذي لما تمّ الاتفاق عليه. وهنا الدور الاساس هو للحكومة، التي ينبغي عليها الانطلاق سريعاً على طريق الانقاذ قبل فوات الأوان».
وأضاف جابر: «الآن هو وقت اتخاذ القرارات السريعة، وليس الاسترخاء كما هو حاصل، المطلوب من الحكومة المسارعة الى احداث صدمة ايجابية مطلوبة اكثر من اي وقت مضى، والبداية يُفترض ان تبدأ من اجراء التعيينات وملء الشواغر القائمة، اذ لا يجوز ابداً استمرار الشغور في حاكمية مصرف لبنان لناحية تعيين نواب الحاكم، ولا تعيينات الهيئات الناظمة، وقد اشار الى ذلك دوكان من باب انتقاد التأخير في ذلك، اضافة الى معالجة ملف الكهرباء. اذًا المطلوب قرارات سريعة، وتعيينات اسرع. فبذلك نوجّه رسالة قوية الى الداخل والخارج بأننا جدّيون في إنقاذ انفسنا وانقاذ اقتصادنا».

ورداً على سؤال قال: «الطريق سهل جداً امام الحكومة، فلتبادر الى تطبيق مجموعة من القوانين التي تؤدي الى تغييرات واصلاح حقيقي، فليجلسوا على الطاولة ويقرّروا تنفيذ القوانين وهذا يحل جانباً كبيراً من المشكلة. ونحن نسمع الناس التي تقول لهم أقدموا على العمل والتغيير لكي نثق بكم».

الحجار
وقال النائب محمد الحجار لـ»الجمهورية»: «اجتماع بعبدا انتج رؤية مشتركة لدى جميع الاطراف السياسية، حول طبيعة المشكلة التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني، ربما هناك بعض الاختلافات والتباينات في ما خصّ طرق المعالجة، لكن هذا التباين يجب الا ينتج منه اي تأخير او تردّد في وضع الحلول للمشكلة الاقتصادية، والّا ستكون العواقب وخيمة. فعلى الاطراف ان تتحلّى بالمسؤولية وتتحمّل المسؤولية المشتركة لانتاج الحلول المطلوبة. وهنا تقع مسؤولية الحكومة التي تضمّ كل الاطراف، ويجب التأكيد في خلاصة الأمر على انّ المزايدات والشعبوية يجب الا يكون لها مكان في قاموس العمل في اتجاه الانقاذ».

وزني
وقال الخبير الاقتصادي غازي وزني لــ»الجمهورية»: «ان دوكان شخّص المشكلة التي يعاني منها الوضع الاقتصادي، وحدّد ما هو مطلوب لمعالجة ما لدى لبنان من مشكلات وصعوبات، واكّد انّ الاجراءات السابقة غير كافية».

واشار وزني الى انّ «دوكان قدّم تطمينات من جهة بأنّ هناك صعوبات، والوضع دقيق، لكن المعالجة ما زالت ممكنة، الا انّه قدّم تحذيرات في المقابل بأنّ ابقاء الوضع على ما هو عليه سيؤدي حتماً الى ما هو أسوأ. بمعنى انّه القى الكرة في ملعب اللبنانيين، وهذا يوجب على السياسيين المسارعة الى المعالجة. فكلام دوكان يُفهم انه ان لم يبادر المسؤولون الى المعالجة في المرحلة المقبلة، فلا تنتظروا ان تحافظوا على مستوى التصنيف الحالي، حيث بالتأكيد سيكون الوضع اكثر صعوبة مما هو عليه الآن».

مجلس الوزراء
الى ذلك، عقد مجلس الوزراء أمس جلسة عادية في السراي الحكومي، وعلمت «الجمهورية» انّ وزير الشؤون الاجتماعية ريشار قيومجيان طلب في مستهل الجلسة توضيحاً لكلام الأمين العام «لحزب الله» السيّد حسن نصرالله عن الحدود، وانها اصبحت مفتوحة، وإسقاط الخطوط الحمر»، معتبرا أنّه «كلام خطير، وطالب الحكومة باحترام الاتفاقيات الدولية مع ادانتنا لاعتداء الضاحية»، فردّ عليه الحريري بالقول: «سبق وأعلنت أنني كرئيس حكومة وكحكومة متمسكون بالقرار 1701».

وتحدث وزير الشباب والرياضة محمد فنيش، فدعا قيومجيان الى قراءة النص جيداً، لأنّ كلام السيد واضح، فالردّ سيحصل على الاعتداءات، وعندما يُخرق الخط الازرق نحن لن نسكت وهذا حقنا في الدفاع عن أنفسنا».

وتحدّث الوزير علي حسن خليل فساند فنيش قائلاً: «نحن لا نريد ان نخرق ولا نريد ان نلغي الـ1701 ولكن لنا حق الرد على خرق الحدود وليس على الغائها».

وهنا تدخّل الحريري قائلاً: «الوزراء جميعهم ومن ضمنهم وزراء حزب الله يؤيّدون الـ1701 «، مشدداً على أنّ «البيان الوزاري واضح ونقطة على السطر».

وردّت وزيرة الدولة لشؤون التنمية الإدارية مي الشدياق قائلة: «صحيح اننا ايّدنا البيان الوزاري، ولكن ايضا اتفقنا ان يكون قرار الحرب والسلم في يد الدولة فقط ولا ينفرد أي فريق كان بهذا القرار».

وسألت عن «آلية التعيينات وكيف ستتم»؟ فردّ عليها الحريري قائلا: «سيتم من الآن فصاعداً وضع بند التعيينات على جدول اعمال مجلس الوزراء، مع السِير الذاتية للمرشحين، هذا الامر تمّ حسمه، لا تعيينات من خارج جدول الاعمال، وعلى الوزراء ان يقدّموا اسماء بالمراكز الشاغرة والاسماء المقترحة لهم لضمّها الى ملف التعيينات».

وعلمت «الجمهورية»، أنّ قائد الجيش حضر الى السراي الحكومي ومعه ملف يتعلق بالجيش، وإجتمع بالحريري، لكنّه لم يدل بأي تصريح من بعدها. ورجّحت المصادر ان يكون ملف الـ1701 والمعابر غير الشرعية حضرت في الاجتماع.

ورداً على سؤال قال عون، انّ «مطالبه تتعلق بشؤون الجيش الداخلية، وهيكليته، وامور ادارية اخرى».