أزمة القروض السكنية لذوي الدخل المحدود والمتوسط لا زالت عالقة منذ إيقاف مصرف لبنان سياسة القروض المدعومة في شباط عام 2018، على رغم المعالجات التشريعية التي أتت ناقصة ومؤقتة. آخر هذه المعالجات إقرار مبلغ 100 مليار ليرة للقروض السكنية في لجنة المال والموازنة تمهيدًا لإقرارها في الهيئة العامة من ضمن مشروع الموازنة. فهل تعيد هذه الأموال القروض السكنية المدعومة؟ وهل انتهت إزمة الإسكان وبات بمقدور الشباب الإستحصال على شقق سكنية؟

بكلّ أسف الجواب على هذا السؤال ليس إيجابيًا بحسب ما أكدّت مصادر في المؤسسة العامة للإسكان، فهذه الأموال أقل بكثير من حاجة السوق، وبالكاد تغطي قيمة فوائد القروض التي تدفعها المؤسسة للمصارف شهريًا والبالغة حوالي عشرين مليار. 

وتجدر الإشارة إلى أنّ مؤسسة الإسكان وفي الحالات الطبيعية قبل الأزمة كانت تمنح حوالي خمسة الآف طلب سنويًا، أمّا اليوم وبفعل إيقاف القروض منذ حوالي سنة وخمسة أشهر تضاعفت حاجة السوق وبلغت حوالي ثلاثة الآف مليار، بفعل تعليق القروض طيلة هذه المدّة من جهة، وبسبب مفاعيل سلسلة الرتب والرواتب التي حفّزت الطلب على القروض العقارية من جهة ثانية. في حين أنّ الرزم القليلة التي قدّمها مصرف لبنان خلال هذه الفترة بالكاد غطّت 10 % من حاجة السوق، وفتحت المجال أمام المصارف للإستنسابية في التعامل مع الطلبات، بحيث عمدت المصارف إلى الموافقة على طلبات محدّدة لزبائن ابتاعت شققًا من إحدى المشاريع التي موّلها المصرف، ففي هذه الحالة يعود القرض بالفائدة على المصرف، بحيث يقوم المطوّر بسداد ديونه إلى المصرف نفسه بحسب ما كشف لنا مطوّر عقاري. 

أين الحل؟ 

الحل بسياسة إسكانية شاملة، كان رئيس الحكومة سعد الحريري وعد اللبنانيين بوضعها وإقرارها خلال ستّة أشهر، وذلك في حكومته السابقة في أيلول عام 2018، عندما اعتلى المنبر أمام النواب خلال الجلسة التشريعية نفسها التي أقرّت فتح اعتماد بقيمة 100 مليار لدعم فوائد قروض الإسكان على سنة واحدة ، وكم من ستّة أشهر مرت على وعد الحريري الذي بقي من دون ترجمة. لا بل أكثر من ذلك تعاملت الحكومة مع الأزمة وكأنّها لا تعنيها، ولم تسعَ لإقرار أيّ مقاربة علاجية مؤقّتة أو مستدامة طيلة فترة الأزمة، كما أنّها ذهبت إلى مؤتمر سيدر وغيّبت أزمة الإسكان، في وقت كان بمقدورها تخصيص جزء من تلك القروض الموعودة للقروض السكنية، وهو اقتراح طرحه آنذاك أحد النواب على رئيس الحكومة ولم يأخذ به. 

مؤسسة الإسكان التي خاضت مع جمعية المصارف مفاوضات شاقة لإعادة العمل بالقروض المدعومة، أنجزت خطة سكنية وعرضتها على الحكومة، ولا أحد يعلم ما إذا كانت الحكومة ستأخذ بها أم ستواصل سياسة النعامة في دفن رأسها في الرمال. أمّا المصارف فليست أفضل من الحكومة، وهي التي رفضت السير بالقروض المدعومة بالفائدة القديمة، واشترطت رفع الفائدة التي ارتفعت عالميًا إلى حوالي 5.9% على أن تدعم الحكومة النسبة الباقية أي 5 % وهكذا تكون الفائدة حوالي 11 %. وعلى رغم قبول مؤسسة الإسكان بهذا الشرط لا زالت المعضلة قائمة من قبل المصارف التي لم تستجب لمحاولات إعادة العمل بالقروض السكنية، وبذلك تثبت أنّ هدفها الأول والأخير تحقيق الأرباح، أمّا تلك الإعلانات التي تطل بها على المواطن على أنّها السند له في تحقيق أحلامه، أثبتت أزمة القروض السكنية عدم مصداقيتها. ولعلّ التعميم رقم 503 الصادر عن مصرف لبنان شكّل العذر المناسب للمصارف، كونه يمنعها من أن تُقرض أكثر من 25 % من مجموع الأموال المودعة بالليرة، والمصارف كانت قدّ تخطّت هذا السقف بأشواط وبلغت التسليفات بالليرة أكثر من 37 %. وبعدها إصدر مصرف لبنان حزمة جديدة من دون استثناء القروض الممنوحة من المؤسسة العامة للإسكان من مفاعيل التعميم 503، الأمر الذي أبقى أزمة القروض السكنية مستمرة.

لماذا وصلنا إلى هذه الحال في الإسكان بعدما كانت الأمور على ما يرام؟

الأزمة متشعّبة، بدأت عندما أوقف مصرف لبنان نسبة دعمه السنوي الذي كان استثنائيًا عام 2017 وبلغ ملياري ومئتي مليون ليرة لبنانية، بما يعادل تمويل 11 ألف طلب، وفي العام 2018 دعم بـ 750 مليار ليرة، يضاف إليه مبلغ 460 مليار ليرة بعدما استهلكت المصارف كلّ التسليفات بالليرة اللبنانية التي وضعها مصرف لبنان في تصرفها لتمويل القروض السكنية خلال شهر واحد في بداية العام الماضي. المصرف المركزي يقول إنّ سياسة دعم القروض السكنية لا تقع على عاتقه، وهي من مهمة الحكومة ولا يمكن توجيه اللوم له في ظل تقصير الحكومة عن القيام بواجباتها. المصارف بدورها تتنصّل من المسؤولية وتعتبر نفسها غير معنية بالمساهمة في حل الأزمة، وتطلب من الدولة ضمانات باستمرارية الدعم طيلة سنوات القرض. المجلس النيابي يقرّ تشريعات مؤقتة كدعم الـ 100 مليار، بحجة أنّ الحكومة لم تقدّم له سياسة إسكانية ليعمل على إقرارها، ويتجاهل في الوقت نفسه دوره في إقرار قانون الإيجار التملكي، وهكذا تكتمل منظومة التجاهل وربما التواطؤ، ليبقى المواطن ضحيّة طبقة سياسية لم تدرج حقوقه بالسكن والطبابة والعمل والبيئة النظيفة في حساباتها، فلديها أولويات أخرى الظاهر منها سجال بين أركانها والمخفي ربما أعظم، أمّا بالنسبة للمنظومة المصرفية فحسابات الأرباح تعلو ولا يُعلى عليها. 

 

نوال الأشقر