ليس معروفاً إذا كانت إجازة عيد الأضحى ستمتد أكثر بكثير بعد العيد بالنسبة إلى تأليف الحكومة اللبنانية.
 

وحين سألت «الحياة» مصدراً سياسياً بارزاً قبل أيام إذا كانت الآمال بولادة الحكومة تم ترحيلها بحكم العُقد الظاهرة إلى ما بعد العيد، رد بسؤال آخر: بعد أي عيد؟ هناك الأضحى وأعياد كثيرة بين الآن وعيد رأس السنة!

يعكس هذا الجواب الساخر شعوراً لدى القوى السياسية المتابعة لجهود حلحلة العقد من أمام تأليف الحكومة بأن ولادتها ليست قريبة، حتى إذا عاد حراك التأليف إلى نشاطه بعد عودة الرئيس المكلف سعد الحريري من إجازة العيد في الخارج، وبأن هناك تسليماً بتأخير التوافق على التركيبة الحكومية الجديدة. فالمراقب لا يحتاج كثير عناء حتى يستنتج أن رفع سقف المطالب التوزيرية، والاعتراضات المتبادلة، مقصودة على رغم تأكيد معظم الفرقاء ضرورة الإسراع في التأليف للأسباب المعروفة التي تبدأ بوجوب بدء لبنان بتطبيق قرارات «سيدر» والإصلاحات التي التزمتها الحكومة، مروراً بالحاجة الملحة إلى التصدي للمشكلات الحياتية الضاغطة على اللبنانيين وبالتالي على الطبقة السياسية.

دفع التناقض بين الحاجة إلى تسريع قيام الحكومة وبين تمهل القوى المعنية بالعقد القائمة في حسمها، أحد الوزراء الفاعلين في حكومة تصريف الأعمال إلى القول لـ «الحياة»، إن ما يحصل كان متوقعاً بعد تكليف الحريري. فالعارفون نقلوا عن الجهات الفاعلة والمؤثرة ومنها بعض القياديين في «حزب الله» أن من المبكر توقع ولادة الحكومة قريباً، وأن إنجازها قد يرحَّل إلى بداية الخريف «ولا شيء سيحصل قبل تشرين الأول» (أكتوبر).


ويضيف الوزير إياه: «صحيح أن العرقلة لا تأتي من الحزب مباشرة بل من حليفه رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، المصر على حصة كبرى لفريقه على حساب حزب «القوات اللبنانية»، لكن الحزب لا يتدخل مع الحليف من أجل إقناعه بخفض سقف مطالبه». ويضيف الوزير نفسه: «القناعة ازدادت بأن المعركة التي يخوضها «التيار الحر» على الحصص الوزارية لا تتعلق بالأوزان في الحكومة بقدر ارتباطها بفتح معركة الرئاسة في شكل مبكر، على رغم نفي رئيس الجمهورية ميشال عون هذا التوجه. فكلما يُطرح مخرج لعقدة يحظى بموافقة إما من «التيار الحر» أو من الرئيس عون، يتولى الفريق نفسه نسفها. وكلما قدمت «القوات» تنازلاً يجري الالتفاف عليه». ويعتقد أن هناك توجهاً «كي يتحول باسيل إلى الرقم المسيحي الصعب الذي على موقفه يتقرر تسيير أمور البلد والدولة. لكن لنجاح هذا التوجه هناك شروط لا تبدو متوافرة الآن».

حدود التدخل

لماذا لا يستعجل «حزب الله» حليفه إزالة عراقيل التأليف، على رغم دعوته إلى تسريع إنجاز الحكومة؟ تتعدد الأجوبة في هذا الصدد:

1- تلفت الأوساط المتابعة لمواقف الحزب إلى أنه يتدخل بحدود معينة من أجل «دوزنة» المواقف، فأمينه العام السيد حسن نصر الله وقف ضد تلويح باسيل بالشارع قبل أسبوعين، وحضه على الحوار مع الفرقاء الآخرين، ونصحه بأن يبادر إلى زيارة رئيس البرلمان نبيه بري. كما أن تحذيرات الرئيس بري من مغالاة البعض في «تكتل لبنان القوي» في الدعوة إلى سحب تكليف الأكثرية النيابية للرئيس الحريري تأليف الحكومة، لقيت صداها عند الحزب، باعتبار أن سحب التكليف غير وارد دستورياً، فضلاً عن أن الحزب أبلغ من يعنيهم الأمر عدم تحبيذه فكرة حكومة الأكثرية، لأنه متعذر نتيجة موقف الحريري المصر على حكومة الوفاق الوطني الائتلافية. كما أن خياراً كهذا، بحسب قول الأوساط المتابعة لموقف الحزب لـ «الحياة»، يعني تحويل الحصار الذي يتعرض له إلى حصار للبلد والحكومة، التي ستصنف في هذه الحال حكومة «حزب الله» وحلفائه، في وقت لا يزال هو بحاجة إلى غطاء الحكومة الواسعة التمثيل برئاسة الحريري، ليبقى له هامش حركة إزاء العقوبات المرشحة للتصاعد.

وتوافق أوساط دولية مهتمة بمتابعة الشأن اللبناني الداخلي على هذا التفسير لعدم قبول الحزب حكومة الأكثرية على رغم أن باستطاعته أن يضمن حصولها على تأييد أكثرية نيابية لها في البرلمان بالتحالف مع «التيار الحر».

وتضيف الأوساط المتابعة أنه لهذا السبب يرسل الحزب تطمينات إما علنية أو ضمنية للفرقاء المتخاصمين مع حليفه «التيار الحر» تحفظ له مسافة عن باسيل، لكن من دون الدخول في سجال علني مع الأخير.

2- يتفق المصدر السياسي البارز مع قول مرجع سياسي رفيع لـ «الحياة» إن الحزب آثر الصمت في الأسابيع الماضية «لأن الفرقاء الذين دخل باسيل في اشتباك معهم حول الحصص هم خصوم لـ «حزب الله» على المستوى الاستراتيجي والإقليمي، أي «تيار المستقبل»، «القوات اللبنانية» والحزب «التقدمي الاشتراكي».

ويضيف المصدر السياسي البارز على ذلك قوله إن قيادة الحزب تتفرج وتراقب وتنتقد سلوك هذا أو ذاك بالتلميح والتصريح، في توزيع للأدوار بين رموزها، وتارة تتهم السعودية بأنها وراء العرقلة، ثم يقول نصر الله إن السبب ليس خارجياً، لكن هذه القيادة تحاذر حشر نفسها في مشكلة هي بين فرقاء آخرين، «وحتى لا يقال لها لماذا تتدخلون في الخلاف بين فرقاء مسيحيين»، أي بين «التيار الحر» و «القوات اللبنانية». وتضيف المصادر إياها: «لماذا يحشر الحزب أنفه في الخلاف المسيحي- المسيحي، في وقت حصل على حقوقه التوزيرية من اتصالاته مع الحريري عبر الرئيس بري وغيره»؟

رهن الحكومة بالصراع الإقليمي

3- يرى الوزير الفاعل أن الحزب ليس مستعجلاً لأسباب تتعدى الوضع الداخلي، لأن الصراع الذي يخوضه بالاشتراك مع إيران ضد السياسة الأميركية في المنطقة يتطلب الإمساك بأوراقه إلى صدره في انتظار اتضاح الأمور على الصعيد الإقليمي.

وعلى رغم أن «حزب الله» وإيران يعتدان بنفوذهما في لبنان، فإنهما لا يزالان يتعاملان مع البلد على أن النفوذ الأميركي والغربي والخليجي فيه كبير، وأن العقد أمام الحكومة تصيب السعي الغربي لإضعاف الحزب.

ويلفت الوزير إلى ما يحصل في العراق، «حيث تتحكم طهران بتعقيدات العلاقة بين حلفائها المتعددين والمتناقضين والمتخاصمين في أحيان كثيرة، وتؤدي إدارتها اللعبة هناك إلى تعطيل رئاسة حيدر العبادي للحكومة العراقية، من أجل إجهاض محاولات الإدارة الأميركية ودول عربية استثمار التبدلات السياسية التي نجمت عن الانتخابات والحراك الشعبي الذي استهدف نفوذ طهران في الأشهر الأخيرة». والدليل على ذلك نجاح قائد «قوة القدس» في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني مرتين في الحؤول دون قيام تحالف بين الكتل النيابية من أجل ترجيح كفة العبادي الذي تؤيد واشنطن بقاءه في رئاسة الحكومة، والذي كان أعلن اضطرار بغداد لالتزام العقوبات الأميركية على طهران ما أغضب الأخيرة. كما أن شخصيات دولية تزور بغداد خرجت بانطباع أن لا حكومة في بلاد الرافدين، وفي لبنان، والسلوك الإيراني يربط بين الاثنين من باب إثبات قدرة طهران على التحكم بالبلدين في مواجهة الحملة الأميركية. إلا أن الوزير الفاعل يعتبر أن لا رابط بين المخارج لتأليف الحكومة في كل من بغداد وبيروت، لأن لكل منهما ظروفاً مختلفة. وربما كانت ولادة الحكومة في بيروت أسهل من ولادة حكومة بغداد.

ولكن المصدر السياسي البارز يشير إلى أنه تحت هذا السقف الإقليمي للصراع، ليس مستغرباً أن يستحضر الحزب مع حلفائه، عناوين التطبيع مع نظام بشار الأسد، والتي هي موضوع خلاف مع الحريري و «الحزب الاشتراكي» و «القوات اللبنانية»، في وقت يتطابق موقف الرئيس عون و «التيار الحر» مع موقفه. فضلاً عن أنه يراقب أيضاً كيفية تصرف الفرقاء اللبنانيين إزاء الاعتراض الأميركي على توليه حقيبة خدمات (الصحة) لأن واشنطن تلوح بالتراجع عن مساعدات مقررة للبنان إذا حصل ذلك، فيرد بتصعيد خرقه لسياسة النأي بالنفس عبر استقباله وفد «أنصار الله» اليمني في الضاحية الجنوبية.