أكثر من 15 سنة من حكومات الاحتلال الأميركي والإيراني، انتهت إلى استراتيجية بناء دولة الفساد والمحاصصة والامتيازات، وزرع الانقسام بين أبناء المحافظات وأبناء المناطق داخل المحافظات.
 

أجهزت قوات مكافحة “الشعب” على خيام الاعتصامات في البصرة حيث أقامها المتظاهرون قبالة حقل غربي القرنة النفطي، وأيضاً أمام موقع حقل البرجسية في مدينة الزبير، والمسافة بين الحقلين توضح حجم الاحتجاجات وانتشارها على مساحة مركز المحافظة وأطرافه البعيدة.

القرنة، ملتقى دجلة والفرات في أحضان شط العرب، مدينة ابتليت بقذائف الراجمات والصواريخ ومدفعية الهجمات الإيرانية طيلة حرب الثماني سنوات، وقدمت المئات بل الآلاف من الشهداء، وتهدم من بيوتها الكثير، بل إنها تعرضت لخروقات عسكرية أثناء الحرب وبعد توقف إطلاق النار كذلك من مجموعات مرتزقة وفصائلهم الميليشياوية التابعة للحرس الثوري الإيراني، التي تتسيد المشهد السياسي اليوم في العراق.

كانت العشائر العربية الأصيلة تتصدى لهم رغم التضحيات وترصد وتراقب خفايا التغلغل، رغم أن هؤلاء من حَمَلة الجنسية العراقية ويتحدثون باللهجات المحلية. ولتلك الأيام ذاكرة لن تمحى لبطولات رجال ونساء مدينة القرنة.

تعرضت القرنة مثل كل المدن الحدودية للويلات، كما البصرة وتحديداً نصف البصرة الشرقي الذي غادرته الأسر عدة مرات تفادياً لمديات القذائف، بعد اكتساب السكان خبرات حربية ومعرفة بأنواع الأسلحة وأسمائها العسكرية وتشخيص أصوات المقذوفات وحجم أضرارها.

المدن الحدودية تمرّست على مواجهة عدوان نظام الملالي، وعدوان ميليشيات كانت تهددهم من خارج الحدود، ومنذ أبريل 2003 صارت تهددهم من داخل الحدود بالعنف والحساب والاعتقالات وأيضا بالجوع والعطش.

القرنة، نموذج لموقع جغرافي يمكن أن يتحول بجهد سنوات قليلة إلى مركز وقبلة سياحية للعالم توفر فرص عمل لأعداد غفيرة من الشباب العاطل عن العمل، إضافة إلى طبيعة سكان البصرة عموماً المنفتحة على عادات الشعوب ولغاتهم ويتجلى ذلك في الأسواق وأسماء الأماكن والبضائع شأنها في ذلك شأن خصوصية الموانئ في العالم.

هذه الأماكن البصْرية نزولاً إلى محافظة ميسان ثم محافظة الكوت وديالى جربت مأزق ومأساة الحرب الدامية في ثمانينات القرن الماضي، وبعض الأقضية والقرى والقصبات تهدمت جزئياً أو كليا، وشهدت هجرات جماعية إلى مدن أخرى نتيجة لعشوائية مفاهيم الحرب بين المواجهات العسكرية واستهداف المدنيين لقرب المدن من الحدود في الجانب العراقي.

العراقيون قاتلوا بضراوة على آبار نفطية معينة، وسُفكت دماء غزيرة وفي ظروف بيئية بالغة التعقيد، وكان استبسالهم وتضحياتهم من أجل ألاّ تذهب أراضيهم وثروات أجيالهم النفطية إلى من يريد احتلالها.

نفط القرنة من أفضل وأرخص عمليات التنقيب والاستخراج، وحتى في زمن الحرب كان حفر العشرات من الآبار مستمراً في جهد يتوخى توفير الزمن واختصار المراحل للمستقبل كآبار جاهزة واحتياطية وبأيادٍ عراقية خالصة.

وكانت رؤية تدفق النفط تلقائيا وإغراقه لبقعة واسعة من الأرض، من المشاهدات المألوفة لمرات التدفق التي كادت أن تغلق الطريق العام الرابط بين ميسان والبصرة؛ وعادة ما تحضر الآليات الهندسية لردم فوهة التدفق بصعوبة تتطلب ساعات من العمل.

رفع خيام الاعتصام بالقوة من أمام حقول النفط هو عمل إرهابي يستهدف معاقبة المتظاهرين الذين يحتمون بالتناوب من ضربات الشمس الحادة في درجة حرارة 44 في الظل وتزيد.

ضربات الشمس من الإصابات الخطيرة وإسعافاتها تحتاج إلى عمليات إسعاف سريعة وفورية؛ لذلك فإن الجيوش المتمرّسة تمنع مقاتليها من مزاولة أي نشاط تدريبي أو تشغيلي من الساعة العاشرة صباحا إلى ما بعد الرابعة عصرا بواقع أجواء ودرجات حرارة مماثلة لأجواء جنوب العراق؛ وطبعا لا توجد إحصاءات عن عدد الإصابات بضربة الشمس بين المتظاهرين بسبب التعتيم عليها.

المتظاهرون كتبوا بوعي أهازيجهم الشعبية ومقاومتهم لدرجات الحرارة ورفع خيام الاعتصام بالقوة، ليصنعوا من راية العراق الموحد مظلة جماعية فوق رؤوسهم في دلالة ورمز معبّرين عن استمرار الاحتجاجات وتواصلها.

لماذا اختار الثوار أماكن الاعتصام بالقرب من حقول النفط؟ لأنهم أرادوا أن يستعيدوا التفكير بما سردناه من إيجاز الوقائع لإيصال رسائل لأعداد لا تحصى من أرواح ودماء الشهداء، وإيصال رسائل المقاتلين الذين مازالوا على قيد الحياة من أهلهم من أبطال بلاد النفط والنهرين والروافد والنخيل ورز العنبر وبساتين الفواكه ومنابع التاريخ والعقول الثرية الخصبة بالإبداع والتعايش مع الإنسانية.

أكثر من 15 سنة من حكومات الاحتلال الأميركي والإيراني، انتهت إلى استراتيجية بناء دولة الفساد والمحاصصة والامتيازات، وزرع الانقسام بين أبناء المحافظات وأبناء المناطق داخل المحافظات. وهي استراتيجية بناء الميليشيات وتجهيزها بمعدات الجيوش والصلاحيات النيابية وثروة النفط في استباحة لمحرمات الدم العراقي بجرائم مافياوية وسرقات واعتقالات جماعية وفرض إرادات طائفية وتنفيذ اختطافات وإعدامات في وضح النهار.

دولة بنظام سياسي احتجز نفسه في الإثراء وعدم الثقة بمصير مستقبله في العراق، لذلك فإن العراق بالنسبة لهم لا يشبه عراق المتظاهرين أو آباء المتظاهرين أو أجدادهم، هناك فاصلة زمنية بمدة محدودة لهذا الاختطاف الذي حصل عن سبق قصد ورصد وتعمد بالاحتلال الأميركي عندما جاء بأحزاب متحاملة وحاقدة على العراقيين.

أحد زعماء الميليشيات من الذين دخلوا العراق بعد الاحتلال وصف، في جلسة خاصة، عمليات التسلل ومشاركته بها لتصيد الجنود في سنوات الحرب، وكيفية انتقامه لإصابة أحد عناصره، بمهاجمة وتفجير موضع وقتل أكبر عدد من الجنود العراقيين بشهية انتقام وتحت نوبة بكاء ودموع لمقتل صديقه.

عقلية جماعية كهذه، هل بإمكانها بعد استلام السلطة أن تساهم في بناء العراق، أو تتعاطف مع مطالب المتظاهرين، أو تحمي ثروات بلادهم أو تدافع عن غدهم واقتصادهم وناسهم، سواء في الموصل والبصرة أو في العمادية من محافظة دهوك إلى راس البيشه والفاو وخور عبدالله في البصرة؟ ثمة جوع لدى هؤلاء العملاء المرتزقة الغزاة، وثمة دموع لم تذرف بعد من مآقي الميليشيات تشفياً من أبناء جيل كان له في كل بيت من بيوت العراقيين شهيد أو أكثر على جبهات القتال مع النظام الإيراني.

كانت لي جارة وقورة، تحب متابعة مسلسل الخنساء، إنتاج حقبة ثمانينات القرن الماضي للفنانة منى واصف، ولأنها كانت تبكي لحال “أخيها صخرا” وتعليقها “خُفيّ” أخيها طوال حياتها حول رقبتها، فقد اقتدت الأم بالخنساء عندما رحل أول الشهداء من أبنائها إلى أن بلغوا الأربعة وهم كل أولادها؛ إلى أن رحلت أم صلاح وهي تمشي بتثاقل وإجلال تحت وطأة ما يتشبث برقبتها من بقايا الخنساء في تاريخنا العربي ومن بقايا الأبناء الأربعة في شباب التظاهرات والاعتصامات والثورة الكبرى على صعاليك الولي الفقيه.